Turkestan Travel
المرأة في Islam: صورة ظلية لامرأة محجبة عند غروب الشمس فوق بحر قزوين في آسيا الوسطى مع توركستان للسفر.
🎭 البلد والناس

حقوق المرأة في الإسلام

حقوق المرأة في الإسلام: تحليل لتطورها التاريخي وأهميتها. ولأسباب مختلفة، أصبحت قضية المرأة موضوعًا للنقد الموجه ضد الإسلام. حتى أن بعض...

حقوق المرأة في الإسلام: قراءة في تطورها التاريخي ودلالاتها

لأسباب شتى، باتت قضية المرأة غرضاً للطعن والسهام الموجهة ضد الإسلام. حتى إن بعض علماء المسلمين اضطروا إلى القول بأن «قضية المرأة أصبحت كالخنجر المسموم الذي غُرِس في قلب المجتمع الإسلامي». وقد كُتبت في شأن حقوق المرأة في الإسلام مؤلفات ومقالات وخُطب ومحاضرات لا حصر لها.

وبطبيعة الحال، لا يتسع هذا الكتاب لبسط هذا الموضوع ومناقشته من كافة جوانبه. وفضلاً عن ذلك، فإن الإسلام ليس ملزماً بتحمل تبعات أي واقع مؤسف ينشأ عن نبذ تعاليمه وعدم الامتثال لها. والأهم من ذلك أن الإسلام غني عن أن يتكلف أحد الدفاع عنه، سوى أن يقوم من فقه حقيقته بإعانة من قصر فهمه عنها. وقد جرى التطرق إلى هذا المبحث بإيجاز في مقال «المرأة والمساواة في الحقوق». ومن سياق هذا الفصل، يجدر بنا جلاء بعض المسائل الأخرى المتصلة بهذا الشأن.

فقبل بزوغ شمس القرآن، لم تكن المرأة مهيضة الجناح مسلوبة الحقوق فحسب، بل كانت مجردة بالكلية من كرامتها الإنسانية. ففي تلك الحقبة، وفي الأرض التي انطلقت منها رسالة الإسلام، كان الحزن يخيم على الأسرة إذا وُلدت لها أنثى، بل وكان بعض أولئك البنات يُدفنّ أحياء، إذ كان يُنظر إلى ولادة الأنثى كعار يلحق بشرف الأسرة وذريعة للفقر والإملاق.

وقد جاء القرآن الكريم فاستنكر هذه الجاهلية وحرمها تحريماً قاطعاً. وتبدلت أحوال الأسر المسلمة، فغدت تفرح بولادة البنت فرحاً يفوق أحياناً استبشارها بالولد. بل وبُشِّر من يحسن تربية البنات بأعظم الأجور والفضائل في العاجل والآجل مقارنة بمن ربى البنين.

عنأبي هريرة رضي الله عنهقال:

«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"من كان له ثلاث بنات، فصبر على لأوائهن وضرائهن وحاجتهن، أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهن".

فقال رجل:

- واثنتان يا رسول الله؟

قال: واثنتان.

فقال رجل آخر:

- وواحدة يا رسول الله؟

قال: وواحدة».

أخرجه الإمام أحمد.

إن القيام على تربية البنات وتعليمهن وتوفير أسباب الصحة والنشأة القويمة لهن فريضة لازمة ملقاة على عاتق الأب. ولا تسقط هذه الأمانة عن كاهله إلا بزواجها، حيث تنتقل النفقة والرعاية حينئذ إلى زوجها. فإن فقدت أباها ولم يكن لها زوج، أُنيطت نفقتها بإخوتها أو أوليائها الشرعيين. فالإسلام لا يقر بحال أن تُترك المرأة بلا كفيل ولا سند؛ فنفقة البنت على أبيها، والأخت على أخيها، والأم على بنيها، وهكذا دواليك.

لقد كفل الإسلام للمرأة حق التعلم والارتقاء الفكري والحضاري، وأوجب تلك الرعاية على عاتق الرجل. ونحن نعلم جميعاً أن الإسلام سوّى بين الرجل والمرأة في حق طلب العلم، ووعد الجنة لمن أحسن تربية بناته أو أخواته وعلمهن. ولكن ربما خفي على البعض أن هذا الشرف امتد ليشمل حتى الإماء والمملوكات.

عنأبي موسى الأشعري رضي الله عنهقال:

«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"أيما رجل كانت عنده وليدة، فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران"».

أخرجهالبخاري.

ويتجلى من هذا أن من احتضن جارية فرعاها وأحسن تعليمها وتأديبها قد ساوى من أعتق رقبتها ووهبها الحرية.

ولم تقنع نساء الصدر الأول من الإسلام بما يتلقينه من أزواجهن وذويهن ممن شهدوا مجالس النبي صلى الله عليه وسلم وخطبه العامة، بل طالبن أن يخصهن النبي صلى الله عليه وسلم بيوم يعلمهن فيه، فاستجاب صلى الله عليه وسلم لطلبهن على الفور.

فالمرأة لا تقتصر على حق التلقي والتعلم والاستماع إلى المواعظ والمحاضرات فحسب، بل لها الحق الكامل في أن تُعَلِّم وتُحاضر وتباشر سائر ضروب النشاط العلمي والمعرفي.

ولا ينكر أحد ما بلغته المرأة المسلمة من شأو عظيم في ميادين العلم والتعليم والثقافة؛ ودفعاً للقول بغير برهان، نورد شواهد على ذلك.

عن الشفاء بنت عبد الله العدوية رضي الله عنها قالت:

«دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة رضي الله عنها، فقال لي: "ألا تُعَلِّمين هذه رقية النملة كما علمتِها الكتابة؟"».

أخرجهأبو داود.

وها هي ذي سيدة النساء العالمات، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تتبوأ المرتبة السادسة بين كافة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في كثرة رواية الحديث الشريف. وكان أكابر الصحابة رضي الله عنهم إذا استغلقت عليهم مسألة أو أشكل عليهم أمر، فزعوا إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يستفتونها، وكان ذلك في حينه حدثاً فذاً لا نظير له في تاريخ الإنسانية.

لقد حظيت المرأة المسلمة بمكانة رفيعة في المجتمع وفي السياسة وفي موازين الشريعة؛ فسمع الخليفة المهيب، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم، بل وسمع رب العزة سبحانه وتعالى فكر المرأة المسلمة الصادق ومنطقها الحق، وأقر ما جاءت به.

وذات يوم، رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه —المعروف في مشارق الأرض ومغاربها بعمر الفاروق العادل— أن مهور النساء (وهي العطاء الواجب المفروض من الخاطب لعروسه عند النكاح) قد بلغت حداً مفرطاً؛ فأراد معالجة ذلك، فقام خطيباً وقال في خطبته: «ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإن أكرمكم في الدنيا وأتقاكم عند الله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أصدق امرأة من نسائه ولا أُصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية».

فما كان من امرأة من الحاضرات إلا أن قامت واعترضت قائلة: «يا عمر! يعطينا الله وتحرمنا أنت؟! أليس الله تعالى يقول: {وآتيتم إحداهن قنطاراً}؟».

فما كان من الخليفة العظيم، وقد قوطعت خطبته بهذه الصراحة والجسارة، إلا أن رجع إلى الحق جهاراً وأقر بخطئه أمام الناس وقال: «أصابت امرأة وأخطأ عمر». فبفضل شجاعة تلك المرأة، لم يجرؤ أحد بعد ذلك اليوم إلى عصرنا هذا على فرض حد أقصى لمهور النساء. ولا يمكن لمثل هذا المشهد أن يتحقق إلا في مجتمع يُجل المرأة ويحفظ قدرها.

وحين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام السادس من الهجرة بصحبة ألف وأربعمائة من أصحابه قاصدين مكة، صدهم المشركون عند موضع الحديبية.

وانتهى الأمر بإبرام صلح يقضي برجوع المسلمين عامهم ذلك دون أداء مناسك العمرة. فأعلن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأصحابه وأمرهم أن ينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم تحللاً. غير أن الألم والغم كان قد ملك على الصحابة مشاعرهم؛ فلم يقم منهم أحد. وأعاد النبي صلى الله عليه وسلم أمره ثلاثاً، فلم يستجب أحد.

فدخل النبي صلى الله عليه وسلم خيمته مغموماً حزيناً، وأفضى بما في نفسه لزوجه أم سلمة رضي الله عنها، معرباً عن خشيته أن يصيب أمته ما أصاب الأمم السالفة من الهلاك بسبب مخالفة أنبيائهم.

فأشارت أم سلمة رضي الله عنها على النبي بمشورة حكيمة يعجز عنها دهاة الوزراء وكبار الحكماء، فقالت:

«يا رسول الله، أتحب ذلك؟ اخرج إليهم ولا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدنك، وتدعو حالقك فيحلقك».

ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ما أشارت به أم سلمة رضي الله عنها بحذافيره؛ فلما رأى الصحابة ذلك، وثبوا ينحرون هديهم ويحلق بعضهم رؤوس بعض. وهكذا، بفضل حصافة امرأة مسلمة ورجاحة عقلها، عُصمت الأمة المسلمة من مهلكة عصيان أمر نبيها.

ولننظر كيف سمع العلي القدير دعوى امرأة مسلمة ضعيفة فاستجاب لها من فوق سبع سموات.

كان من عادات الجاهلية قبل الإسلام تحريم الزوجة عبر ما يُعرف بـ "الظهار"؛ حيث كان الرجل يقول لامرأته: "أنتِ عليّ كظهر أمي"، فيحرم وطؤها وتصير كأمه أو أخته، ولا سبيل له إليها.

وفي ذات يوم، غضب رجل يُدعى أوس بن الصامت فظاهر من زوجته خولة بنت ثعلبة. وكان ذلك بحسب أعرافهم فراقاً أبدياً لا رجعة فيه. ولما هدأت ثورته وندم على صنيعه، قال لامرأته: «ما أظنك إلا قد حرمتِ عليّ كأمي». فقالت خولة: «والله ما هذا بطلاق!»، ثم استعارت ثوباً من جارتها وسعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه وتطلب فرجاً. فدنت منه وقالت:

«يا رسول الله! إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ، ذات أهل ومال، حتى إذا كبرت سني وتفرق أهلي، ونثرت له بطني، ظاهر مني! وقد ندم على ذلك، فهل تجد لي وله رخصة تجمع شملنا؟».

– فقال صلى الله عليه وسلم: «ما أراكِ إلا قد حَرُمْتِ عليه».

– فهتفت قائلة: «والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً! إنه أبو ولدي وأحب الناس إليّ».

– فأعاد صلى الله عليه وسلم: «ما أراكِ إلا قد حَرُمْتِ عليه».

– فقالت: «إني أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي! لقد طالت صحبتي له وولدت منه أولاداً».

– فكرر النبي صلى الله عليه وسلم: «حَرُمْتِ عليه»، وأردف: «ما أُمرتُ في شأنك بشيء».

وظلت خولة بنت ثعلبة تحاور النبي صلى الله عليه وسلم وتجادله؛ فكلما قال لها إنها حرمت على زوجها، لجأت إلى التضرع والشكوى إلى العلي الأعلى. ثم قالت خولة بنت ثعلبة:

– «إن لي صبية صغاراً؛ إن ضممتهم إليّ جاعوا، وإن دفعتهم إليه ضاعوا!». ثم رفعت طرفها إلى السماء وضجت بالدعاء:

«اللهم إني أشكو إليك! اللهم فأنزل على لسان نبيك ما يفرج كربتي!».

وعندئذ غشي النبي صلى الله عليه وسلم السكون والهيبة التي كانت تغشاه عند نزول الوحي. وبعد لحظات سُرِّي عنه فرفع رأسه وقال:

– «يا خولة، قد أنزل الله فيكِ وفي زوجك قرآناً»، وتلا قوله تعالى:

{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (المجادلة، 1).

فأبطلت هذه الآيات الكريمة عادة الظهار الجاهلية، وأمرت الأزواج الذين يظاهرون من نسائهم بالتكفير عن ذنبهم بدفع "الكفارة". وعلى مدى أربعة عشر قرناً، لا تزال هذه الآيات تتلى وتُعمل أحكامها في الشريعة، وستبقى كذلك إلى يوم الدين. لقد سمع الله شكوى امرأة واستجاب لمطلبها قرآناً يتلى؛ أفلا يعد ذلك قمة التكريم وأعظم إجلال للمرأة؟ فأين تجد مثل هذا في أي مذهب أو نظام وضعي؟ وكان معاصرو خولة بنت ثعلبة يجلونها ويعرفون لها قدرها.

وتحكي كتب السير أن امرأة عجوزاً استوقفت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو يسير في موكب من الناس، فأخذت تعظه وتطيل في وعظه وهو منصت إليها:

فقالت له: «إيهاً يا عمر! عهدتك وأنت تسمى عُمَيراً، ثم كبرت فقيل لك: يا عمر، ثم صرت تدعى: يا أمير المؤمنين! فاتقِ الله يا عمر! فإن من خاف الموت خشي الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب». وأفاضت في كلامها.

فوقف عمر يستمع إليها بإطراق وإجلال. فتعجب بعض مرافقيه وقالوا: «يا أمير المؤمنين، أحبست رجالات قريش على هذه العجوز؟ أتظل واقفاً لها هكذا؟». فقال عمر: «ويحكم! لو حبستني من أول النهار إلى آخره ما برحت إلا للصلاة المكتوبة»، ثم قال: «أتدرون من هذه؟ هذه خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع الله قولها ولا يسمعه عمر؟!»

أجل، ففي ظلال الإسلام وحده تملك امرأة عادية أن تقف وسط الطريق لتسائل وتحاسب أعظم خلفاء الأرض وأعدلهم، ذلك الذي كانت ترتعد لذكر اسمه عروش الجبابرة.

إن الإسلام يعلي من شأن المرأة ويوفر للشطر الأجمل من البشرية كل المقومات الكفيلة بصيانة أنوثتها وحفظ كرامتها، لتقوم برسالتها النبيلة تجاه أسرتها ومجتمعها ووطنها ودينها.

ولم يرهق الإسلام كاهل المرأة بالواجبات الشاقة المضنية التي لا يقوى عليها إلا الرجال، بل ساوى بين ما تبذله في نطاق فطرتها وبين أعمال الرجال الجليلة، ووعدها بمثل أجرهم وفضلهم. فجعل مشقة الحمل والولادة وتربية النشء كجهاد الرجال في سبيل الله؛ وبفضل وعي نساء المسلمين بدفاعهن عن حقوقهن الفطرية، خُلِّدت تلك المعاني بنطق النبي صلى الله عليه وسلم.

فقد روى الإمام البيهقي والإمام ابن عساكر أن أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «يا رسول الله، إني وافدة النساء إليك؛ وإنهن يقلن بقولي: إن الله بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم؛ وإنكم معشر الرجال فضلتم علينا بالجُمَع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله؛ وإن الرجل منكم إذا خرج غازياً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، فهل نشارككم في الأجر يا رسول الله؟».

فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه ثم قال:

– «هل سمعتم مقالة امرأة أحسن مساءلة في أمر دينها من هذه؟».

– فقالوا: «والله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا يا رسول الله!».

– فقال صلى الله عليه وسلم: «انصرفي يا أسماء، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته، يعدل ذلك كله».

فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر فرحاً واستبشاراً بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتردد: «لا إله إلا الله».

ومن منظور الإسلام الحكيم، فإن تفرغ المرأة لتربية أبنائها وتنشئة الجيل الصاعد ورعاية عش الزوجية خير لها وأزكى من أن تتبذل خارج بيتها في مهن شاقة لا تليق بأنوثتها كأعمال رصف الطرق أو الخدمة العسكرية الشاقة ونحوها سعياً وراء كسب المال.

وبموجب أحكام الشريعة الإسلامية، تتمتع المرأة المسلمة بالحق الكامل في إعطاء الأمان واللجوء السياسي لمن تستجير به.

ففي يوم فتح مكة، أجارت أم هانئ بنت أبي طالب رجلاً من المشركين وأعطته الأمان. فلما علم أخوها علي بن أبي طالب رضي الله عنه همّ بقتله. فأتت أم هانئ النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم:

«قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ، وأمّنا من أمّنتِ».

أخرجه أبو داود.

وقبل الإسلام كانت المرأة محرومة من الإرث جملة وتفصيلاً، بل كانت هي نفسها تُورث كالمتاع إذا مات زوجها؛ فيلقي عليها أولياء الميت ثوباً ويتحكمون في مصيرها إما بنكاحها بلا مهر أو بتزويجها وأخذ صداقها. فأبطل الإسلام هذه العادات الجائرة وأقر للمرأة حقها الأصيل في الميراث كوارثة كاملة الأهلية.

يقول الله تعالى في سورة النساء:

{لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} (الآية 7).

كما منح القرآن الكريم المرأة الحق في مبايعة ولي الأمر على قدم المساواة مع الرجل؛ وهو ما يقابل في عصرنا الحديث حق الانتخاب والتصويت السياسي، وهو من أخطر الحقوق السياسية وأعلاها شأناً.

يقول الله تعالى في سورة الممتحنة:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الآية 12).

ومادة «البيعة» في لسان العرب مشتقة من البيع والتعاقد والمبادلة؛ وفي المصطلح الشرعي هي العهد على الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسُميت كذلك كأن المبايع قد ابتاع ثواب الله ورضوانه ببذل الطاعة والوفاء. وفي النظام السياسي الإسلامي، تعني البيعة عقداً متبادلاً بين الرعية ورأس الدولة؛ وهي تشبه إلى حد بعيد الانتخابات المعاصرة. ففي البيعة يصافح الناس الحاكم متعاهدين على السمع والطاعة ما أقام فيهم شريعة الله، ويلتزم الحاكم بالعدل والوفاء بواجبات الحكم وفق شرع الله.

أما عن عمل المرأة، فلنطرح أولاً هذا السؤال: لمَ يعمل الإنسان، رجلاً كان أم امرأة؟ والجواب البديهي: لكسب العيش وضمان الحياة الكريمة. فإذا كانت المرأة مكفية النفقة موفورة الكرامة، فما الداعي لأن تخرج لتكابد الأعمال الشاقة المبتذلة وتترك بيتها وفلذات أكبادها؟ قد يقول قائل: «أليس للمرأة أن تسهم بعملها في نماء المجتمع؟». فنجيب بسؤال مقابل: «أي الأمرين أنفع للمجتمع: امرأة تكدح طوال النهار في الحقول وتتعرض للسموم والمبيدات فترضع وليدها لبناً مشوباً بالمواد الكيميائية، أم امرأة تترك المشاق للرجل وتتفرغ لتنشئة جيل صالح يحتاجه المجتمع وتصون كرامة الأسرة؟».

ومع ذلك، فإن الإسلام لا يغفل حالات الضرورة؛ فإذا دعت الحاجة وعجز الرجال عن سد الثغور، جاز للمرأة أن تشارك في ميادين العمل بل وفي مؤازرة الجيوش عند النوازل.

ولما كان الإسلام قد أوجب على الرجل كفالة المرأة ورعايتها وإكرامها وتوفير كافة متطلباتها من المهد إلى اللحد، كان من العدل والإنصاف أن تُلقى الأعمال الشاقة التي تتطلب الجهد العضلي والجلد على كواهل الرجال دون النساء.

وبناء على ذلك، فإذا انتفت الضرورة المادية الملحة، فإن خروج المرأة للعمل قد يتحول في بعض الأحيان إلى مجرد رغبة تخفي وراءها مفاسد تنال من كرامة الأسرة واستقرارها.

وكلنا يعلم أن الإسلام يحرم كل أسباب الفتنة والابتذال؛ لذا كان بقاء المرأة المكرمة في بيتها أصون لعفتها وسلامتها من الابتذال في ميادين العمل غير المنضبطة. وتأكيداً للمقام، فالإسلام لا يحرم على المرأة العمل والتكسب، وإنما يضبط ذلك بما يحقق مصلحة المرأة ذاتها ومصلحة أسرتها والمجتمع بأسره.

وتعتبر تربية الأطفال ورعايتهم من أجلِّ وأخص وظائف المرأة، كما أن تولي التطبيب والخدمات الصحية الخاصة بالنساء يُعد من أشرف ميادين عملها.

وقد نص الفقيه الحنفي المحقق كمال الدين بن الهمام على أنه: «إذا كان للمرأة حرفة من فروض الكفايات التي تختص بالنساء، فليس لزوجها أن يمنعها من القيام بها».

كما يجوز للمرأة أن تعاون زوجها في تجارته وشؤونه، وعند الحاجة يجوز لها ممارسة ما يلائمها من الأعمال المباحة. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المرأة ذات المواهب الفذة والعلوم النافعة يُندب لها أن تسهم بما لديها في خدمة مجتمعها.

وفيما عدا ذلك، لا ينبغي إرهاق النساء بالعمل ولا يجوز لأحد استغلالهن كأيدٍ عاملة رخيصة؛ فليس لأحد أن يسوقهن إلى الحقول والمصانع من بزوغ الفجر إلى عتمة الليل، ولا أن يحملهن ما لا يُطاق من الأعمال التي تجتث أنوثتهن وتصادر عاطفة الأمومة الرقيقة من قلوبهن.

من كتاب «الإيمان – الإسلام – القرآن».

الشيخ محمد صادق محمد يوسف