Turkestan Travel
فن البلاط الأوزبكي التقليدي وزخارف الفسيفساء في آسيا الوسطى على طريق الحرير
📜 التاريخ

رحلة ماركو بولو الكبرى

رحلة ماركو بولو الكبرى: على خطى المستكشف الأسطوري عبر عوالم ساحرة وكنوز ثقافية. وُلد ماركو بولو (1254-1324) في البندقية أو في جزيرة كوركولا (في كرواتيا الحالية)

رحلة ماركو بولو الكبرى: على خطى المستكشف الأسطوري عبر عوالم ساحرة وكنوز ثقافية

وُلد ماركو بولو (1254-1324) في البندقية أو في جزيرة كوركولا (في كرواتيا الحالية). تنحدر أصول أجداده من دالماسيا إلى البندقية، ولم يكونوا من بين أشهر عائلات التجار البندقية. وعندما كان ماركو في السادسة من عمره، انطلق والده وعمه في رحلة استمرت تسع سنوات نحو الشرق، قاصدين بكين (خان بالق أو دادو)، التيقبيلاي خان، حفيدجنكيز خان، جعلها عاصمة لملكه. وخلال هذه الفترة توفيت والدة الصبي وتولت عمة والده تربيته. وتلقى ماركو تعليماً جيداً بمقاييس ذلك العصر؛ فقرأ الكتاب المقدس وبعض المؤلفين القدامى، وكان يجيد الحساب والكتابة، بينما كان يقضي أوقات فراغه بين قنوات البندقية ومينائها.

قبيلايأخذ عهداً على نيكولو والد ماركو وعمه مافيو بالعودة إلى الصين واصطحاب بعض الرهبان المسيحيين معهما. وكانت عودة والده وعمه إلى البندقية نقطة التحول الكبرى في حياة ماركو؛ إذ كان يصغي بشغف إلى حكاياتهما عن البلدان الغامضة التي زاراها والناس الرائعين الذين عاشوا بينهم. وفي عام 1271، انطلق الأخوان في رحلة طويلة نحو الشرق، مصطحبين معهما ماركو البالغ من العمر 17 عاماً.

يروي ماركو في "كتابه" أنهم انطلقوا من البندقية ووصلوا إلىعكا(فلسطين)، ومنها إلى ميناءأياز(في جنوب آسيا الصغرى)، ثم عبروا المرتفعات الأرمنية ونزلوا على طول نهردجلةحتى ميناءالبصرة. بعد ذلك، وصل بولو على الأرجح إلىتبريزثم توجه عبركرمانإلىهرمز، مما يشير إلى أنهم كانوا يعتزمون الوصول إلى الصين بحراً. غير أن السفن بدت للتجار غير موثوقة بالمرة، فعادوا أدراجهم إلىكرمان. وتابعوا طريقهم مع قافلة بمحاذاة السفوح الجنوبية لسلسلة جبالهندوكوش، وعبروا هضبةباميرفي غضون 12 يوماً وهبطوا نحو واحةكاشغر. وبعد أن التفوا حولصحراء تكلامكانمن الجنوب، واصلوا السير من واحة إلى أخرى عبر رمالكومتاغ؛ ومن بئر إلى بئر واصل البندقيون مسيرهم إلى وادي نهر شولهي حتى وصلوا أخيراً إلى مدينةغانتشو(تشانغيي) الصينية، حيث أقاموا هناك لمدة عام. ووصلت البعثة في عام 1275 إلى بكين، حيث استقبلهمقبيلايبترحيب حار.

كان ماركو شاباً مجتهداً يمتلك موهبة فذة في إتقان اللغات الأجنبية. وبينما كان والده وعمه منشغلين بالتجارة، أتقن هو اللغة المنغولية.قبيلاي، الذي كان يحرص على استقطاب الخبراء الأجانب الموهوبين إلى بلاطه، عيّن ماركو في الخدمة العامة للدولة.

وسرعان ما أصبح ماركو عضواً في المجلس السري للإمبراطور وتلقى منه عدة مهام رسمية؛ كانت إحداها تقديم تقرير عن الأوضاع في يونان وبورما بعد فتحهما من قبل المغول عام 1287، والأخرى شراءسن بوذامنسيلان.

عُيّن ماركو بعد ذلك حاكماً لمدينةيانغتشو. وفي عام 1290، التمس الإذن بالعودة إلى وطنه، لكن قبيلاي رفض ذلك. ولم يتسنَّ له مغادرة الصين إلا في عام 1292، عندما كُلّف بمرافقة الأميرة المغولية كوكاشين إلى بلاد فارس، لتتزوج هناك من نائب الملك أرغون خان، حفيد شقيق قبيلاي.

ولدى وصوله إلى بلاد فارس، تلقى ماركو نبأ وفاة قبيلاي. وقد أعفاه هذا الخبر من التزامه بالعودة إلى الصين وتوجه إلى البندقية. وفي العام التالي لعودته، أُسر ماركو في شرق البحر الأبيض المتوسط على متن سفينة تجارية بندقية من قِبلالجنويين.

قضى الفترة من 1296 إلى 1299 في سجن جنوة. وطلب الكاتبروستيشيلو دا بيزا، الذي تصادف وجوده في نفس زنزانة الرحالة، من ماركو أن يروي له تفاصيل رحلاته في العالم الشرقي. وهكذا وُلد "كتاب ماركو بولو" الشهير أو ما عُرف باسم"عجائب العالم". لا يقتصر الكتاب على وصف الصين واليابسة الآسيوية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى عالم الجزر الشاسع من اليابان إلى زنجبار.

كان الشرق في ذلك الوقت خاضعاً لحكم التتار والمغول. وبصفته صديقاً مقرباً للخان العظيمقبيلاي خان، استطاع ماركو بولو التنقل بحرية عبر أرجاء مملكته الممتدة من روسيا إلى الهند والصين. ويصف الكتاب بإيجاز الممالك والمدن والجزر المختلفة.

تتداخل المعلومات الواردة عن تقاليد الشعوب وثرواتها وعاداتها مع الأساطير والحكايات والغرائب. كما يوثق المعارك الطاحنة بين القبائل المتناحرة. وقد استمدت العديد من المعتقدات والخرافات في العصور الوسطى أصولها من كتاب ماركو بولو هذا.

نُشر الكتاب الذي أملاه ماركو بولو في أوائل القرن الرابع عشر، وأصبح منذ ذلك الحين مرجعاً أساسياً لا غنى عنه لكبار المستكشفين في عصر الاكتشافات الجغرافية الكبرى، ومن بينهمكريستوفر كولومبوس.

من خلال هذا الكتاب، تعرّف الأوروبيون لأول مرة على العديد من بلدان الشرق وثرواتها الطبيعية ومنجزاتها التقنية؛ مثل العملات الورقية، والورق المقوى المطبوع، ونخيل الساغو، والبوصلة، والكمبيالات، فضلاً عن "الحجر الأسود" القابل للاشتعال (الفحم) ومواطن التوابل النفيسة. والمثير للدهشة أن البحث عن طريق يقود إلى بلاد التوابل للالتفاف على الاحتكار التجاري العربي أدى إلى إعادة رسم خريطة العالم ومحو الكثير من المساحات المجهولة عنها. وهكذا كان كتاب رحلات ماركو بولو واحداً من الأعمال النادرة التي غيرت مجرى التاريخ.

لماذا يدّعي إذن بعض الباحثين أن رحلة ماركو بولو إلى الإمبراطورية الصينية لم تكن سوى خدعة كبرى؟ الحقيقة هي أن الكتاب يتضمن جملة من الثغرات الجوهرية التي أثارت الشكوك حول مصداقيته.

من المحتمل جداً أن ماركو بولو نفسه لم يطأ أرض الإمبراطورية الصينية قط؛ هذا ما تؤكده فرانسيس وود، الرئيسة السابقة لقسم المجموعات الصينية في المكتبة البريطانية. ففي عام 2000، وفي كتابها "هل زار ماركو بولو الصين؟" الذي أثار ضجة واسعة في الأوساط العلمية، شككت الباحثة علناً في أن يكون هذا "الرحالة العظيم" قد سافر شرقاً إلى ما بعد الوكالات التجارية التابعة لعائلته في القسطنطينية وشبه جزيرة القرم.

فكل من حاولوا على مر القرون الماضية تتبع مسار رحلة ماركو بولو فقدوا أثره هناك تماماً. وبدأ الباحثون يطرحون أسئلة بقيت دون إجابة: كيف أمكنه خلال كل رحلاته ألا يلاحظ أعظم صرح دفاعي في العالم، وهو سور الصين العظيم؟

ولماذا لم يذكر هذا الرحالة، الذي عاش سنوات طويلة في العاصمة الشمالية للصين وتجول في مدنها ورأى أعداداً لا تحصى من نسائها، كلمة واحدة عن تلك العادة البالغة الانتشار بين النساء الصينيات في ذلك العصر، والمتمثلة في ربط وتشويه أقدامهن؟

ولماذا لا يذكر بولو في أي موضع سلعة استهلاكية جوهرية وشديدة الخصوصية للمجتمع الصيني مثل الشاي؟ وبسبب هذه الثغرات بالتحديد، فضلاً عن أن ماركو لم يكن يعرف اللغة الصينية ولا مصطلحاتها الجغرافية (باستثناء قلة نادرة)، افترض المؤرخون الأكثر تشككاً منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر أن "كتاب" ماركو بولو لم يكن في حقيقته سوى تجميع لأدلة جغرافية عن الصين وضعها تجار فرس.

ووفقاً لفرانسيس وود، فقد كان لدى ماركو متسع كبير من الوقت لدراسة المصادر الفارسية عن الصين وإعادة صياغتها بأسلوب إبداعي؛ إذ إن كتاب"عجائب العالم"كُتب على يد هذا التاجر البندقي عام 1299 أثناء... فترة أسره في أحد سجون جنوة.

وتفيد بعض المصادر التاريخية بأن ماركو تورط نحو عام 1297 في الحرب بين البندقية وجنوة، ووقع في أسر الجنويين خلال معركة بحرية. وفي السجن عام 1298، أملى هذا"الكتاب"على رفيقه في الزنزانة، الكاتب والروائي المعروف آنذاك روستيشيلو، الذي يُرجح أنه ساعد "الرحالة العظيم" في صياغة عمله وإخراجه الأدبي.

أُطلق سراح ماركو في عام 1299 وعاد إلى مسقط رأسه، حيث عاش 25 عاماً أخرى كرجل ثري ومرموق. وقد وصل إلينا أكثر من 140 مخطوطة لكتابه حول تنوع العالم، مدونة باثنتي عشرة لغة ولهجة أوروبية.

ومع أنه لم يكن من السهل على معاصريه التمييز بين الحقيقة والخيال في روايات ماركو بولو (وقد أُطلق عليه لقب "المليون" لميله الشديد إلى المبالغة)، إلا أن الأوروبيين استقوا منه تصوراتهم عن الصين العظيمة، واليابان الأسطورية الثراء، وجزر جاوة وسومطرة، وسيلان ومدغشقر الفاحشتي الثراء.

وهكذا يتضح أنه حتى لو كان"كتاب"ماركو بولو مجرد تجميع، فإن هذا التجميع قد نُفذ ببراعة فائقة وبأهمية تاريخية عبقرية. وحتى يومنا هذا، يظل الكتاب واحداً من أندر مؤلفات العصور الوسطى الأدبية والعلمية التي ما تزال تُقرأ وتُعاد قراءتها بشغف.

لقد أُدرج ضمن الذخائر الذهبية للأدب العالمي، وتُرجم إلى لغات لا حصر لها، وطُبع ونُشر مراراً في شتى بقاع الأرض. وفي عام 1299 نال ماركو حريته، لكنه ظل في عيون مواطنيه شخصية غريبة الأطوار وفاقدة للمصداقية؛ إذ لم يكن أحد يصدققصصه.

توفي ماركو بولو في البندقية في 8 يناير 1324.