كيرك كيز – أسطورة المحاربات – الفتيات: قصة مليئة بالشجاعة والعزيمة. منذ آلاف السنين، لا تزال الأساطير عن النساء الشجاعات، الأمازونيات، اللواتي شكلن جزءًا من التاريخ، تثير الإعجاب
منذ آلاف السنين، لا تزال أساطير النساء الشجاعات اللواتي صغن التاريخ، الأمازونيات، تأسر القلوب. لقد تراجعت جيوش لا حصر لها أمام بأس هؤلاء المحاربات، ولا تزال أسطورة «قرق قز» (الفتيات المحاربات الأربعون) في سمرقند حيّة نابضة في وجدان الشعب.
وفقاً للأسطورة، كانت فتيات «قرق قز» يرابطن في قلعة «قرق قز تبه» حين اقترب جيش معادٍ من الأسوار وشرع في حصار القلعة¹. وبقيادة زعيمتهن غوهر، هبت فتيات سمرقند للذود عن الحصن.
ليلاً ونهاراً، صددن هجمات العدو، وسقط الكثير من الغزاة في ساحة الوغى. غير أن صفوف المحاربات أخذت تنحسر شيئاً فشيئاً حتى لم يتبقَّ سوى غوهر وبضع فتيات. ودون انتظار أي نجدة، تهيأن للدفاع عن المدينة حتى الرمق الأخير.
التهمت النيران القلعة، وملأت صرخات الألم واليأس عنان السماء بينما تحولت الأسوار إلى ركام. وبدا أن الأمل قد خذل المدافعات. غير أن غوهر، بعزيمة لا تلين، جمعت آخر السهام من جعبتها وأصابت بها جنود العدو بدقة متناهية.
وعندما نفدت السهام، خرجت المحاربة الباسلة من القلعة وهي مثخنة بجراح قاتلة. تجمد جنود العدو، الذين كانوا يتأهبون لاقتحام المعقل، في أماكنهم من هول المفاجأة. ونهضت غوهر ببطء، وسقطت خوذتها الملطخة بالدماء عن رأسها، لتنسدل ضفائرها على درعها.
رفعت سيفها والدموع في عينيها قائلة: “أنا غوهر، سقطت رفيقاتي في المعركة، وإني أدعو قائدكم إلى مبارزة رجل لرجل”.
دوّى صدى هتاف مذهول في صفوف الجيش؛ إذ لم يسبق لأحد أن قاتل بمثل هذا الاستبسال أمام جيش جرار.
ألقى القائد نظرة ثاقبة على الفتاة وهمست شفتاه: “ليت لي محاربين بمثل هذه البسالة”.
ترجل عن جواده، وتقدم نحو غوهر بكل إجلال، ونظر في عينيها ملياً، مدركاً أنه لن يقوى على فتح سمرقند وأن نهايته ستكون هنا.
حنى القائد رأسه وقبّل يد غوهر. ثم التفت إلى جنوده وهتف بصوت جهوري: “لقد رأيت درة سمرقند، واكتفيت بما رأيت. فلنعد أدراجنا إلى ديارنا!”
تمتمت الجموع بالموافقة، وبمجرد امتطائهم صهوات جيادهم، توارى الفرسان عن الأنظار.
نظرت غوهر الباسلة إلى آخر جندي من الأعداء، وشعرت بارتياح عارم وهي تراهم يختفون خلف الأفق مغادرين سمرقند. وفي تلك اللحظة الفارقة، هب فرسان القلعة لنجدة الأمازونيات. أطرقت غوهر رأسها بارتياح وهمست: “أخيراً!”، ثم ترنحت إلى الوراء وهوت صريعة الأرض. كان جسدها مثخناً بالجراح، وخيط من الدم القاني يسيل على شفتيها. ولاحت أمام عينيها المغمضتين وجوه والديها: ذكريات خبز أمها الشهي، وحكايات أبيها، وجولاتها في السوق مع أختها، والكلمات العذبة من خطيبها – كلها ومضت أمام ناظريها الغائمين. وحين نظرت إلى السهوب والبساتين ومدينة سمرقند، غمر...