Turkestan Travel
تمثال أمير تيمور أمام الآثار التاريخية لقصر آق سراي في شهرسبز، أوزبكستان.
👑 الشخصيات

أسطورة أمير تيمور

أسطورة الأمير تيمور: نظرة على إرث أحد أهم حكام آسيا الوسطى. في إحدى الأمسيات، دعا أمير شهريسابز، بكبوا، منجمًا إلى منزله وسأله: …

أسطورة الأمير تيمور: إطلالة على إرث أحد أعظم حكام آسيا الوسطى

أمير شهرسبز، بيكبوا، دعا ذات مساء منجماً إلى قصره وسأله: «أخبرني أيها العراف العليم، من ذا الذي سينتزع مني حكم هذه الأرض!». وبعد أن تأمل المنجم البارع، الذي استقدمه بيكبوا خصيصاً من بلاد فارس، نجوم المساء، قال: «يا مولاي! ستفنى على يد محارب مغوار يُدعى تيمور». فسأله الحاكم: «وأين يعيش هذا المحارب الذي ستكون نهايتي على يده؟». فأجاب المنجم: «هذا المحارب لم يولد بعد، وسيرى النور بعد شهرين. تعيش والدته في قرية إلغار بالقرب من عاصمة ملكك». حينها عزم الحاكم على القضاء على الجنين، فأرسل جنوده إلى القرية للقبض على المرأة الحامل وإزهاق روح الطفل وهو لا يزال في رحم أمه.

سمعت إحدى الخادمات الحديث الذي دار بين الحاكم والمنجم، وكانت صديقة طفولة لوالدة تيمور. امتطت الخادمة صهوة جوادها وانطلقت بأسرع طريق إلى منزل تاراغاي لتطلعه على الخطر المحدق. خرج رب المنزل لمواجهة فرسان البيك، بينما أرسل زوجته في رحلة شاقة وطويلة برفقة جارية وخادمين مخلصين، كان أحدهما يُدعى حقّول.

وبعد ساعات من المسير، شعرت المرأة الحامل بالإعياء وتوسلت إلى الباتير حقّول أن يتوقف. لكنه رفض الإصغاء لخوفه الشديد من أن يلحق بهم المطاردون. وسواء كان ذلك بسبب وعورة الطريق وسرعته أو من شدة الاضطراب، فاجأ المخاض المرأة الشابة قبل أوانه. حينها قرر الفارس حقّول إيقاف القافلة الصغيرة. ولمح المسافرون في الأفق ضوءاً خافتاً، تبيّن أنه كوخ منعزل لفلاح بسيط. هناك وجد الفارّون ملاذاً آمناً، وسرعان ما وضعت المرأة مولودها الذكر، وأُطلق عليه اسم تيمور. وسُمّي مسقط رأسه «تشيراغتشي»، أي «المُنير».

وعندما رأى الفلاح، الذي آوى عابري السبيل في تلك الليلة، الطفل الصغير قال: «قُدِّر لهذا الطفل أن يشبّ محارباً عظيماً وفاتحاً لبلدان كثيرة. ورغم أنني، كمزارع يجني قوت يومه من الأرض، لا أحبذ الحروب، إلا أن هذا ما خطّه القدر، ولا مهرب من تصاريف الأقدار».

وفي اليوم التالي، وحرصاً على إنقاذ الرضيع من الهلاك، أبحرت الأم المنهكة مع مرافقيها على متن «كايوك» (طوف خشبي) عبر نهر كشكادريا قاصدةً مدينة قرشي. وهناك حظيت بحماية الأمير المحلي وعاشت مع تيمورلنك لثلاث سنوات، قبل أن تعود إلى موطنها. لكن الحاكم بيكبوا لم ينسَ نبوءة المنجم، وظل يسعى بكل ما أوتي من قوة لمحو تيمور من الوجود.

نشأ الصبي مفعماً بالحيوية والشجاعة، مولعاً بخوض ألعاب الحرب مع أقرانه، وفي سن العاشرة بدأ يجوب البلاد مع والده، السلطان تاراغاي. وتولى الفارس البطل (بالفان) حقّول تدريبه على فنون الفروسية والمبارزة بالرمح والسيف. تميّز الصبي بالمثابرة والجلد الفائق؛ فكان بمقدوره البقاء يوماً كاملاً دون طعام، ويمتطي صهوة جواده لساعات طوال دون كلل، منافساً الرجال البالغين في المسيرات الشاقة والمهام العسكرية.

وعندما بلغ الصبي الثانية عشرة من عمره، تعرّف على أمير شهرسبز، الذي نظّم مسابقة مصارعة تقليدية (كوراش) في رحاب قصره. وكان من المعتاد إقامة هذه المنافسات في البلاط أيام الأعياد الكبرى؛ حيث توافدت الجموع من شتى البقاع، وكان الفائز ينال لقباً فخرياً وجائزة قيّمة.

كانت البداية مع منافسات الفرسان الشبان (دجيغيت). وكان نجل بك شهرسبز، حسين، يحصد النصر فيها عادةً. فقد تمتع ببنية جسدية قوية، وصلابة وقوة تحمل لافتة. في تلك الأزمنة، حرص الحكام على إعداد أبنائهم لحياة المجد والمشقة؛ إذ لم يكن اعتلاء العرش يقتضي رجاحة العقل والمعرفة فحسب، بل إثبات الأحقية في السلطة بالقوة والبأس. وحين أحجم الجميع عن منازلة حسين، تقدم تيمور متطوعاً بكل جسارة، رغم أنه كان يصغر غريمه بعامين.

شهد الجميع ببالغ الترقب النزال الحاسم بين الأميرين: وريث بك شهرسبز ونجل السلطان تاراغاي. خاض تيمور نزالاً ضارياً وخرج منه منتصراً بجدارة، واستحق نيل لقب «الباتير» وجلد نمر مكافأة له. بيد أن الأمير بيكبوا، الذي استشاط غضباً من نتيجة النزال، أمر جنده باعتقال تيمور وإعدامه على الفور. كُبِّل الفتى البطل واقتيد نحو العرش، لكن الجماهير هتفت بسخط عارم: «هذا جور صريح! لا يُحاكم المنتصر!». فلم يجد الأمير بُدّاً من إطلاق سراح تيمور.

إلا أن الأمير لم يكن ليصفح عن مثل هذه الجرأة والتحدي. وبأمر حاقد من حاكم شهرسبز، كُسرت ساقا تيمور عمداً حتى لا يعود إلى ساحات القتال أبداً. ومنذ ذلك الحين، صار يعرج بساقه اليمنى. هذا الفتى، الذي غدا فاتحاً للعالم، سيعرفه الغرب باسم «تيمورلنك» – المشتقة من الكلمة التركية «تيمورلانغ»، والتي تعني «تيمور الأعرج الحديدي».

ورغم إصابته بالعَرَج، لم تلن له قناة ولم يدخل الخوف قلبه قط. ازداد الفتى قوةً في الجسد والروح، وشرع بعزيمة صلبة يُحسد عليها في صقل مهاراته، وممارسة فنون القتال، وتدريب بدنه تحضيراً لغزوات ومعارك المستقبل. وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره، كان تيمورلنك قد أضحى قوة لا يضاهيها أحد في تلك الديار.

وفي أحد الأيام، حشد مع والده جيشاً جراراً، وسار لمواجهة أمير شهرسبز وشنّ هجوماً على قصره. وفي تلك المعركة، لقى بيكبوا حتفه على يد تيمورلنك تماماً كما أنبأ المنجم. غير أن تيمور تجرّع في المعركة ذاتها مرارة فقدان والده، السلطان تاراغاي.

لم يشأ المنتصر أن يعاقب ابن البك، حسين، حاكم شهرسبز، بل آثر كسب ودّه وصداقته. وتأكيداً لهذا العهد، أقسم لحسين يميناً وثّقه برباط الدم، وتزوج من شقيقة ابن البك، أولجاي تركان آغا. تولى البك الجديد حسين والسلطان الشاب تيمور مقاليد الحكم سوياً في شهرسبز، وخلال فترة وجيزة نجحا في تحصين المدينة تحصيناً منيعاً، وحشدا جيشاً مهيباً بسطا به نفوذهما على سائر أرجاء المنطقة.

في تلك الأثناء، كان قازغان خان، أحد أحفاد جنكيز خان، يعتلي عرش سمرقند. وحين تراءى له صعود حاكمين شابين قويين في شهرسبز، عزم على استمالتهما إلى جانبه، واعداً إياهما بسيادة مطلقة على كافة المقاطعات والولايات المحيطة بالمدينة.

غير أن رياح القدر لم تمهل قازغان خان طويلاً في السلطة، إذ سرعان ما تجرع الهزيمة على يد سليل آخر لجنكيز خان، وهو تغلق تيمور خان، الذي أضمر العداء لحاكمي شهرسبز الشابين. وأصدر حاكم سمرقند الجديد أمراً كتابياً صارماً إلى ابنه كيليس خان بالقبض على تيمور والتخلص منه فوراً. بيد أن فرسان تيمور الأوفياء اعترضوا سبيل الرسول واغتصبوا الرسالة، فانكشفت خيوط المؤامرة أمام عينيه. انطلق تيمور برفقة كوكبة من أخلص أصدقائه لاجئاً إلى أعالي الجبال. وفي الطريق، باغتهم كيليس خان بجيش عرمرم، إلا أن عزيمة تلك العصبة الصغيرة من الفارين قلبت الموازين وألحقت هزيمة منكرة بجيش المطاردين.

مضى تيمور بمن تبقى من رجاله نحو معلمه الروحي القديم، البهلوان حقّول. استمع الشيخ الحكيم لقصة السلطان الشاب بإنصات ثم قال: «يا بني، لم يحن أوان مقارعة كيليس خان بعد؛ فأنت لم تبلغ بعد ذروة المجد، والجموع لم تلتف حول رايتك بالكامل. يجب أن تصبح قوة لا تُقهر وحصناً لا يُخترق، وحينها فقط ستسقط سمرقند عند قدميك. عليك أن تنتقي صفوة المقاتلين، وتعدهم لنزال الملاحم، وتعلّمهم احتراف السلاح وفنون النزال بين قمم الجبال ومجاهل السهوب وأمام الأسوار العاتية».

تساءل تيمور في حيرة: «أين لي أن أدرّب رجالي دون أن تلحظنا العيون؟ ستتناقل الأنحاء أنباءنا، وسيصل الخبر إلى والي سمرقند الذي لن يتوانى عن استئصال شأفتنا». فأجابه حقّول بهلوان: «أعرف في أغوار هذه الجبال كهفاً أثرياً شاسعاً يكفي لإيواء جيشك برمته». صدع تيمور بنصيحة أستاذه، وبعد مسيرة دامت خمسة أيام، بلغ ذرى الجبال برفقة نخبة من شباب شهرسبز الأشداء، وهناك في عمق أحد الوديان السحيقة، عثر تيمور على الكهف الأسطوري الذي أشار إليه حقّول بهلوان.

كانت جغرافية المكان معجزة حقيقية في قلب الطبيعة؛ وكأنها نُحتت بيد القدر خصيصاً لتكون ملاذاً سرياً تُصنع فيه الانتصارات وتُعد فيه كبرى المعارك.

لم يكن تيمور في ذلك الوقت سوى فتى في الثالثة والعشرين من ربيعه. وبعد أن فحص الكهف وأيقن أنه الميدان المثالي لصناعة الأبطال، بثّ رجاله في أرجاء البلاد لضم خيرة الفتيان لكتائبه. وفي غضون شهرين اثنين، توافد نحو ألف وخمسمائة شاب مقدام إلى حضن الكهف؛ شباب اتصفوا بالجسارة والبأس الشديد. قسّمهم تيمور إلى ألوية وفصائل، وانطلقت التدريبات العسكرية بأعلى درجات الانضباط.

عسكر تيمور في ذلك الكهف قرابة عام بأكمله. عمل القائد الشاب خلاله بلا كلل على صقل جيشه، وتفرّس في رجاله ليختار أكثرهم حنكة وشجاعة، فعيّن منهم قادة الألوية والفرسان.

وسرعان ما زحف تيمور بكتائبه نحو أسوار سمرقند الشاهقة. كانت حامية المدينة المكونة من عشرين ألف مقاتل تفوق جيشه الزاحف عدداً وعدة، إلا أن تيمور كان مفعماً بيقين لا يتزعزع بالنصر. وبفضل العبقرية العسكرية الفذة للقائد الشاب وبسالة جنده البالغ عددهم ألفاً وخمسمائة مقاتل، كُتب النصر لصالحه، ودخل تيمور سمرقند حاكماً متوجاً. ومن نصر إلى نصر، واصل تيمور تقوية دعائم جيشه وسحق خصومه حتى بسط نفوذه المطلق على ربوع بلاد ما وراء النهر.