Turkestan Travel
تمثال أمير تيمور أمام أطلال قصر آق سراي التاريخية في شهر سبز، أوزبكستان.
👑 الشخصيات

مذكرات أمير تيمور – الجزء الأول

مذكرات أمير تيمور – الجزء الأول: سنوات صعود فاتح أسطوري بسم الله الرحمن الرحيم. فليكن الخير على جميع الأبناء السعداء، والأقارب الأقوياء، والأشخاص الشرفاء

مذكرات أمير تيمور - الجزء الأول: سنوات صعود فاتح أسطوري

بسم الله الرحمن الرحيم.

ليعلم جميع الأبناء السعداء، والأقارب ذوو الشوكة، والمقربون والوزراء الموقرون، أن العلي القدير قد ارتضى أن يجعلني راعياً للشعب، وتوّجني بتاج الملك وأجلسني على العرش. وإنني أدين بكل هذا لصفات اثنتي عشرة تجذرت في نفسي.

١. أعد التجرد والإنصاف أولى هذه الصفات. فقد عاملت الجميع بالحزم والعدل ذاته، دون تمييز ودون محاباة للغني على حساب الفقير.

٢. تمسكت دوماً بعهود الإيمان بحزم، وعاملت بكل إجلال وتقدير أولئك الذين شرّفهم الله بقدرته.

٣. بذلت الصدقات للفقراء بسخاء، ونظرت في كل مظلمة وأمر بصبر، مجتهداً في حله على الوجه الأكمل.

٤. وجّهت سائر أفعالي نحو الصالح العام، ولم ألحق بأحد أذى أو مشقة لا داعي لها، ولم أردّ سائلاً قصدني في مواقف شتى. وقد تدبرت في قرارة نفسي ما جاء في القرآن الكريم من أن عباد الله لا ينبغي لهم إلا إطاعة أوامره ونيل الفضل منه، فجعلت ذلك نبراساً أهتدي به في كل مساعيَّ.

٥. قدمت دائماً شؤون الدين على أمور الدنيا، ولم أشرع في تدبير الشؤون الدنيوية إلا بعد أن أوفيت بدقة كل ما يفرضه الدين على المرء وما هو حق لله عليه.

٦. كنت صادقاً دائماً في قولي، وقادراً على تمييز الحق مما أسمعه عن الحياة الحاضرة والآخرة. ومما سمعته تلك القصة، أنه حين خلق القدير أول البشر -آدم-، شكت الملائكة إلى الله خلقه الأول، قائلة إن صنع الله القدير هذا لن تكون له عواقب حميدة. وأكدت الملائكة لله أن الإنسان الذي خلقه سيخدع أضرابه لا محالة، وينكث العهود التي قطعها للآخرين، ويسفك الدماء، ويجعل خالقه يأسف على خلقه بسيرته الجائرة. فأجاب الله الملائكة بأنه قد أحاط علماً بما سيكون من شرور بني الإنسان، وأنه عند خلقه للبشر عزم على إنزال سيف يعاقب به الأشرار على سوء صنيعهم. وبعد أن تدبرت مغزى هذه الرواية، خلصت إلى أن الله عنى بسيف عقاب الظلم هذا حكام الجنس البشري الذين خلقهم، فاجتهدت أن أقيم العدل في سائر الأمور وأن أقضي بالحق في كل ما عرض لي في حياتي.

٧. لم أقطع قط وعداً أعجز عن الوفاء به. ما بذلت عهداً لا أستطيع إنجازه، ولا ألحقت بأحد ضرراً بظلم أو جور مني.

٨. كنت أرى نفسي خادم الله الأول والأكثر تفانياً على وجه الأرض، وما أقدمت على أمر دون أمر من الله أو رسوله. لم ألحق الأذى بأي من شعوب الأرض دون إرادة من الله، وأحسنت إلى أصحاب المكانة والجاه وإلى عامة الناس على السواء. ولم تنازعني نفسي قط للاستيلاء على أموال غيري، وما شغلت بالي بجمع حطام الدنيا وتكديس الثروات، ولم أعرف الحسد لأحد في يوم من الأيام. وكان مثال الأمير حسين في هذا الشأن بالغ العبرة لي؛ إذ كان هلاكه مرده إلى طمعه وجشعه في أملاك رعيته.

٩. كنت على ذات الإيمان، وحرصت على اتباع أوامر الله ووحيه المنزل على نبيه بدقة بالغة. وفي سائر أفعالي، استرشدت بأحكام الشريعة وحدها وتجنبت السوء بكل ما أوتيت من قوة. واعتبرت النبي وأصحابه وأتباعه خير أصدقائي وأوفاهم.

١٠. رفعت راية الإسلام خفاقة في الأرض، ورأيت دوماً في نشر الدين ضمانة عظمى لرفعتي ومجدي. وقد تناهى إلى مسامعي أن الإيمان والمجد كأنهما ولدا من رحم واحد، ولهذا فإن القوة الحقيقية لا تكون إلا لمن ارتكز على إيمان راسخ.

١١. عاملت السادة الأشراف دوماً بما يستحقونه من توقير، وبجلت العلماء والشيوخ. وكان هؤلاء يحضرون مشاوراتي ومجالسي على الدوام، فكنت أصغي بانتباه إلى كل ما يبدونه في شؤون الدين وأنفذه حرفياً. ولأجل هذا أحبني الناس حباً جماً وغمرني امتنانهم. وفي مسلكي مع هؤلاء الأفاضل، اقتديت بمثال قسطنطين، الذي حشد في إحدى المرات جيشاً لمحاربة الملك راي. وبينما كان يسير بجيشه نحو تلك البلاد، تبيّن لقسطنطين فجأة أن السادة والعلماء والشيوخ يجلسون في مجلس الملك راي ومشورته. فلما علم قسطنطين بذلك، عدل عن فكرة غزو تلك الديار الفردوسية وقفل عائداً بجيشه على عجل. وعلل الملك قراره لحاشيته وقادته بأنه وفقاً لـ "السماوي-قيقه"، من الأهمية بمكان أن يضم المجلس الملكي رجالاً كراماً من ذوي المكانة الروحية. وقد قيل: “إذا جلس رجال الدين في مجلس الملك، فلن يقوى أحد على هزيمة ذلك الملك”. وكتب قسطنطين وهو في طريقه إلى السلطان راي يقول إن حكمه هو حكم ملك الملوك، وبالتالي فليس لديه مسوغ لخوض حرب ضد ملك يعلم أنه عاجز عن هزيمته.

١٢. بفيض من عطفي واهتمامي، نلت امتنان أولئك الذين يقفون في أدنى درجات السلم الاجتماعي، وهم الفقراء والمساكين الذين لا مأوى لهم. وقد بذلت كل وسع للنهوض بأحوالهم. وكنت سمحاً حليماً مع المسلمين، فلم أعاقبهم بشدة وقسوة على كل هفوة صغيرة. وعاملت آل بيت النبي وأشرافهم دوماً بكل إجلال، وتورعت عن الاستماع إلى الكذابين والمفترين. وقد علمت أن مجد الملوك مقترن برأفتهم بالرعية، والقرآن الكريم يخبرنا أن الحاكم يبسط رحمته على سائر الناس حين يصفح عن ذنب المذنب. ولذا كان نموذج أولئك الملوك الرحماء نبراسي في جميع تصرفاتي. وتناهى إلى سمعي أن الله إذا رفع شأن امرئ، فاسترشد هذا المرء بالعدل في أفعاله وكان رءوفاً برعيته، اتسع ملكه وعظمت شوكته؛ أما إذا مال إلى الظلم والقسوة، فإن سلطانه يؤول إلى زوال. وحتى أحافظ على ملكي وسلطاني، حملت في يد شمعة العدل وفي اليد الأخرى شمعة الإنصاف، وبنورهما أنرت دروب حياتي دوماً؛ أي أنني جعلت هذين الأصلين حاكمين لسائر أفعالي. واصطفيت أربعة وزراء جبلوا على هذه المبادئ ذاتها، كان من بينهم محمود شهاب الخراساني ونصر الدين محمود الأراميري. وأمرت هؤلاء الأعوان بمراقبتي عن كثب وإيقافي في كل مرة تسول لي نفسي فيها أن أظلم، أو أن أصدق قولاً زوراً، أو أن أستغل مال غيري. وقد علمت أن الله إذا اصطفى عبداً أسبغ عليه من واسع رحمته، وأن رضوان الخالق يوجب على من رُفع شأنه أن يقابل ذلك بالعدل والإحسان. وظل هذا المعنى ماثلاً أمامي على الدوام، حتى رسخت هذه الخلال في طبعي.

كان جيشي العرمرم، الذي عسكر في أرضروم، يملأ السهل المحيط بالمدينة بأكمله؛ فنظرت إلى جحافلي وفكرت في نفسي: ها أنا ذا وحيد، ولا يبدو أنني أمتلك قوة استثنائية، ومع ذلك فإن هذا الجيش بأسره وكل جندي فيه يأتمرون بأمري ويخضعون لإرادتي دون تردد. وما إن أصدر أمراً حتى يُنفّذ من فوره. هكذا حدثتني نفسي، فحمدت الخالق الذي رفع قدري بين عباده كل هذا العلو، وسألت كبار رجال الدين الحكماء عن سر خضوع هذا الجمع الغفير لإرادتي. فعلل العلماء عظيم نفوذي بأن نور قدرة الله قد أشرق عليّ، وأنني إنما استمد قوتي من حول الله وقوته ومشيئته. واستشهدوا بآية من القرآن الكريم تفيد بأن الحاكم الذي يقيم العدل في كل شؤونه، يطيعه رعاياه كافة دون تردد، وترتعد فرائص أعدائه هيبة منه. وإن إخلاص مثل هذا الملك لشعبه يفسره أنه لا يوجد أي مسوغ لعدم الوفاء والطاعة لحاكم بهذه الخصال.

حين بلغت الحادية والعشرين من عمري، عكفت على الخروج في رحلة. فطلبت أولاً بركة الوداع من الشيخ زين الدين أبي بكر الطيبادي. فباركني الشيخ الجليل بحزام شد به أزري، وأهداني قلنسوة وخاتماً من المرجان نُقشت عليه عبارة تعني "انمُ-انمُ" أي "ازدد رفعة ونماء". وتمنى لي الشيخ التوفيق والسداد في أموري، وأخبرني ضمن ما قاله إنه علم من فيض مكاشفة أُوتيها أن في الأرض رجلاً يشد أزري في كل أمر ويدعوني "نائب النبي"، وأنني لا أستطيع رؤية هذا الرجل في الوقت الحاضر، ولكنه سيرمقني يوماً ما بنظرة مباركة تسعد بها روحي…

أسبغ كلانا الوضوء، ثم أقام السيد علي-أتا الصلاة، واقتديت به. صليت بتضرع وخشوع، وغمرت الصلاة قلبي بفرح عظيم. ولما فرغ من صلاته، قال لي القطب: "أنت ضيف الله، ومن أجل حق الضيافة، فإن الله على استعداد لإجابة كل ما تسأله إياه الآن". فشرعت أسأل الله تثبيت الإيمان في قلبي. فقال سائسي القديم: "الإيمان لرسول الله؛ الإيمان هو تلك المدينة التي ينادي بعض أهلها: 'لا إله إلا الله'، ويقول آخرون فيها إنه لا رب سوى الله؛ واسم هذه المدينة 'باب الأبواب'، وهناك يسكن من ينطق بتلك الكلمات المباركة: 'لا إله إلا الله، محمد رسول الله'".

ثم سجد السائس ثانية، واقتديت به في سجوده. وحين رفعت رأسي بعد السجود، ألفيت القطب قد فارق الحياة.

فرجعت في حيرتي وأساي إلى الشيخ الذي فارقته، وقصصت عليه بالتفصيل كل ما جرى لي منذ أن افترقنا.

فقال لي الشيخ: "إن الحكم والولاية لقطب، خليفة الله، الذي يشد أزر السلطان بأمر قطب الأقطاب؛ فإذا مات القطب، انتقل الملك كله والسلطان إلى يد السلطان. ولقد كان سلطان قيصر قائماً برجل من أولياء الله؛ ثم باد ذلك القوم وانتقلت شوكتهم وسلطانهم إليك".

هذه الكلمات التي تفوه بها ذلك الشيخ الجليل جعلتني أوقن بأن سلطاني ومجدي قد بلغا ذروتهما، غير أنني رجوت أن يخلفني ملك عادل من بعدي. ورغبة مني في إتيان عمل يرضي الله، أطلقت سراح أربعة آلاف أسير من الروم وحميت طوران من غارات الأوزبك. ونجحت في كبح جماح اللصوص وقطع دابر النهب في هذه البلاد، وبسطت سيطرتي على بلاد ما وراء النهر. ورفع الأئمة من فوق المنابر العالية في سائر المساجد الدعاء لي بالخير والسداد، وبدأ نسل النبي وكبار علماء الدين بالتضرع إلى الله بالدعاء لي.

بيد أنه كان هناك من لم يرضه هذا الإجماع والتوقير من الناس لشخصي؛ إذ جهر حضرة عبيد الله، وكان أشهر كبار رجال الدين وأعلاهم شأناً، بقوله: "إن تيمور تركي متعطش للدماء: لقد سفك دماء خلق كثير، ولا يجوز الدعاء له".

وبعد وقت قصير من إعرابه عن معارضته للدعاء لي بتلك الطريقة، رأى عبيد الله في منامه ذات ليلة النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ورآني جالساً إلى جواره. انحنى عبيد الله بتوقير وإجلال ثلاث مرات أمام النبي، غير أن النبي لم يلتفت إليه، ولم يرَ داعياً حتى لرد السلام عليه. استبد الغضب بعبيد الله من هذا الموقف، فتوجه إلى النبي قائلاً: «يا رسول الله، أنا خادم شريعتك، وتيمور رجل سفاح أراق دماء كثير من الخلق، ومع ذلك تقبله وتصد عني؟» فأجابه النبي بعد أن استمع إليه: صحيح أن دماء كثيرة قد سُفكت بمشيئته، إلا أن خطيئته تلك قد غُفرت وكُفرت تماماً بما يكنه من توقير وبر ورعاية لآل بيت النبي على وجه البسيطة، ولذا ينبغي للناس بلا ريب أن يدعوا لمثل هذا الحاكم.

فلما سمع عبيد الله هذا القضاء من النبي، استيقظ فزعاً وأسرع إليّ يلتمس الصفح عما جناه بجهله وسوء ظنه. وسرعان ما ذاع الخبر بين الخلائق وأيقن الجميع بوجوب الدعاء لي، فلهجت ألسنة الرعية قائلة: «أعانه الله»، مدركين أنني حقاً أحظى بعناية الله ولطفه الخاص.

وحين استيقنتُ أن النبي لم يحرمني عونه ونفحات رحمته، ازددتُ إجلالاً وتوقيراً لآل بيته الأطهار.

وكان من توفيق الله وفضله عليّ أنني زحفتُ عام 1398 بجيش عرمرم قوامه 400,000 مقاتل صوب أرض أرضروم. وبينما كنت أسير بجيشي نحو تلك الحاضرة، كنت أرقب بعين بصيرتي كل ما يجري على جنبات مسيرنا. وسرعان ما لمحتُ جموعاً غفيرة تقبل من جهة العراق. وبعد ساعة، أبلغني حراس طلائع جيشي بقدوم موكب آخر من العرب من صوب العراق أيضاً. ومضت ساعة أخرى حتى وافتني أنباء جديدة بوصول جمع غفير من البدو والسادة الأشراف من كربلاء والنجف سعياً للقائي، يقودهم جميعاً السيد فتاح ويتقدمهم لواء أبيض خفاق.

غمرتني بهجة عارمة بقدوم هذا المدد، وأيقنتُ أنها إرادة الله ساقهم لنصرتي. دنا مني السيد فتاح وقال: «تجلى لي في المنام الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وأمرني أن أسلم الراية البيضاء لأخي تيمور. كما أجمع أهل النجف على أن هذا اللواء الأبيض إنما يُهدى إليك عوناً على بلوغ مرامك في فتح أرضروم وتحقيق غايتك العظمى». فلما وعيتُ كلامه، خررتُ ساجداً لله شكراً على عونه، وأمرتُ بتدوين هذا الحادث في سجل مآثري وتاريخ فتوحاتي. وفي الحين ذاته، استنبط علماء حاشيتي بشارة قرآنية تشير إلى أن بلاد الروم مقضيّ عليها بالسقوط في ذلك العام بعينه؛ وفي تلك اللحظة خرج إنجي تيمور من ملاذه مهنئاً بالظفر، فتفاءلتُ بكلمة «النصر» وسلمتُه اللواء الأبيض، فنظر إلى اللواء وبدأ النزال.

ولقد حباني الله بعونه في مواقف شتى؛ فحين كنت عازماً على المسير نحو عاصمة بلاد الروم، وددت أن أستجلي الغيب فيما إذا كان مقدراً لمرامي أن يتحقق. فقصدتُ ضريح الشيخ الصالح يسوي متوسلاً بالدعاء. فأنبأتني العرّافة بأنه إن ألمّ بي كرب في ساحة الوغى، فما عليّ إلا أن أردد هذه الرباعية ليتحقق الظفر المبين دون شك. وتلك الأبيات التي غدت لي غوثاً في الشدائد هي:

«يا من بقدرتك تبدل ليل الدجى إلى نهار وضاء،

يا من تجعل الثرى روضة غناء تفيض بالأريج،

يسر لي ما أقدمتُ عليه من أمر جسيم وهونه عليّ،

يا من بيده مفاتيح كل عسير فيجعله يسيراً».

حفظتُ هذه الأبيات عن ظهر قلب، وفي وطيس المعركة مع القيصر رددتها في سري سبعين مرة، فكان النصر حليفي.

وكذلك في العام التالي، 1399، أيدني الله بنصره؛ إذ حشد طغلق تيمور خان، سليل جنكيز خان، جيشاً لغزو ما وراء النهر وعبر نهر سيحون عند خجندة. فدب الرعب في قلوب أمراء ما وراء النهر وحاجي برلاس، ففروا نحو خراسان عابرين النهر.

ووقفتُ حينها في حيرة من أمري: هل أحذو حذو القوم وألتمس النجاة في خراسان، أم أنضم طائعاً إلى صفوف طغلق تيمور خان؟

ولم يكن ثمة سبيل لتبديد حيرتي إلا بمشاورة مرشدي الروحي، فبادرتُ بإرسال كتاب إلى الشيخ زين الدين أبي بكر أسأله الرأي. فأجابني الشيخ قائلاً:

«روى الخليفة الرابع علي بن أبي طالب حكمة لأفلاطون مفادها: إذا كانت السماء قوساً والقدر سهماً، والرامي هو الله القادر على كل شيء، فأين المفر؟ كف عن الفرار وانضم إلى طغلق تيمور خان، فإنه ظل الله في أرضه».

فهمتُ من إجابة الشيخ أن مشيئة الله ورضاه يقتضيان أن أسير في ركاب طغلق تيمور خان، فبادرتُ بالمسير إليه قرب خجندة على ضفاف نهر سيحون.

سرّ الخان سروراً عظيماً بقدومي إليه طواعية، وبإلهام من الله ألقى بكامل ثقته في شخصي، حتى غدا لا يبرم أمراً دون استشارتي. وفي أحد الأيام بلغه أن أمراءه في بادية القفجاق قد شقوا عصا الطاعة وأشعلوا الفتنة. فاستشارني الخان في خطته: هل يقود الحملة بنفسه لتأديب المتمردين، أم يكتفي بإنفاذ جيش لقتالهم؟ فقلتُ له:

«إن أرسلتَ قائداً فثمة مأزقان؛ وإن قصدتهم بنفسك فالمأزق واحد، والحصيف هو من يؤثر خطراً واحداً على خطرين». وفي سانحة أخرى سألني الخان الرأي في شؤون الحكم، فأجبته: «إن ملككم كفسطاط عظيم مضروب على سائرما وراء النهر، وأركانه التي ترفعه هي العدالة، وحباله الممتدة هي النزاهة والإنصاف، وأوتاده الراسخة هي الحق المبين. وبهذه الخصال الثلاث تشيدون صرح سلطانكم، كما يقوم الخباء على أركانه وحباله وأوتاده. وكل من استظل بفيء هذا الفسطاط نجا، ومن نفر منه هلك وباد. وعليكم بإكرام الشيوخ والعلماء والسادة الأشراف بما يليق بقدرهم الرفيع، وإشاعة القسط بين الرعية قاطبة. ويجدر بكم مكافأة أهل الفضل بالهدايا، وردع أهل السوء بالنكال، وتوفير العتاد للجيش وإيفاء الأعوان أجورهم دون إبطاء؛ فالمحارب قد يلقى حتفه في الميدان، لكن حقه لا يضيع أبداً».

وذات يوم، اعتدى حاشية الملك على الرعية وسلبوا أموالهم، فرفع المظلومون شكواهم. واستشارني الخان في الأمر، فقلت له: إن مدارك هؤلاء الأتراك ضيقة كضيق عيونهم، ولن تظفر بولائهم إلا بأن تشبع عيونهم وتملأ قلوبهم. استحسن طغلق تيمور مقالتي غاية الاستحسان، وما لبث أن قاد جيشه بنفسه متوجهاً إلى القفجاق، مفوضاً إليّ أثناء مغيبه إدارة شؤونما وراء النهر.

وقد سلمني طغلق تيمور خان، لدى تفويضي مقاليد حكم البلاد، كتاباً مسطوراً جاء فيه أن طغلق تيمور قد أناب أخاه تيمور في ولايةما وراء النهر....سلّم. وقد حدث هذا تجنباً للنزاعات ومطامع أعداء طغلق تيمور...

ولما كان إلياس خوجة يفتقر إلى خصال الحاكم الحق، لم ينقد له الأمراء ولا الأوزبك. وفي أحد الأيام، جاءني أهل ما وراء النهر شاكين من أن الأوزبك يطالبون بألف عذراء ليُسلَّمن إليهم. فرفعت الأمر إلى إلياس خوجة، فنهاهم عن استعمال هذا الجور، غير أنهم لم يعيروا أمره أي التفات. وفي تلك الأثناء، تظلم بعض السادة من أن الأوزبك قد أسروا سبعين رجلاً من ذرية النبي الأكرم. فأفاضت هذه الجرأة التي لا تطاق صبري؛ فبادرت مسرعاً في إثرهم وخلّصت السادة من الأسر. فحنق عليّ الأوزبك وبغوني شراً، ولإيذائي في عين طغلق تيمور وشوا بي إليه زاعمين أني أضمر الانشقاق والتمرد عليه. فبعث طغلق تيمور بكتاب يقضي بإعدامي بتهمة الخيانة العظمى، غير أن الأمر وقع بيدي قدراً، فاتخذت الحيطة الكاملة لأدرأ عن نفسي عقاباً لست أستحقه. وفي تلك الأيام تراءى لي نبي في المنام وبشّرني بأنني لقاء تحريري لسبعين من السادة الأشراف، سيحكم ملكي سبعون جيلاً من ذريتي.

فلما استيقظت، بادرت بإحاطة سندي وأستاذي، الشيخ زين الدين أبو بكر، بالرؤيا. فما لبث ذلك الرجل الصالح أن أجابني مؤكداً أن الرؤيا تبشرني، بحسب تأويله، بانتصارات لا حصر لها. وضرب لي الشيخ مثلاً بامرأة، هي أم سُبُكْتِكِين، التي أُنعم على عقِبها بالمُلك جزاء إنقاذها عنزة من الهلاك. وكتب لي الشيخ زين الدين أبو بكر قائلاً: «لقد أنقذت تلك المرأة عنزة من الهلاك، وأنت قد فككت أسر سبعين من نسل النبي المصطفى، فكن على ثقة تامة بأن لصنيعك هذا جزاءً عظيماً في قابل الأيام». ولقد صدقت تلك الرؤيا؛ إذ تنازلت وأنا بعد على قيد الحياة عن العروش لأبنائي الستة.

وعقب ذلك بزمن يسير، وردني خطاب آخر من شيخي يخبرني فيه بأن الله قد ارتضاني حارساً وخازناً لملكه، وأن النبي قد آتاني مقاليد ذلك الملك. واشتد غيظ الأوزبك نحوي، فصدر أمر ثانٍ من طغلق تيمور بقتلي؛ فتربصوا بي الغوائل وأخذوا يرقبون سانحة مؤاتية للإجهاز عليّ.

وخوفاً من غدر بطانتي بي، خرجت من سمرقند متعللاً بالصيد ولاذت بي الحال إلى مقبرة. فوضعت رأسي على صخرة وغفوت. فإذا بطائر قد بسط جناحيه فوقي وظلل رأسي حتى لا يؤذيني وهج الشمس. فأيقظني راعي غنم مرّ بي وهو ينادي: «بز بك-يو بك». فاستبشرت بهذه الكلمات خيراً وتجرأت على العودة إلى سمرقند.

وتلقيت من أعيان المدينة وأفاضلها الفتوى الآتية: «إن الدنيا قد آلت إلى خراب من عتوّ الأوزبك؛ فقد أُهين الشرفاء ونُهبت أموال المسلمين. وإنا معشر الفقراء والسادة والمشايخ قد أجمعنا أمرنا على مبايعتكم والدخول تحت طاعتكم. فإن شمرتم عن ساعد الجد في استئصال شأفة الأوزبك كنا جميعاً عضداً لكم، وإن نكلتم عن حمايتنا من بطشهم خاصمناكم أمام العزيز المقتدر يوم الحساب العظيم».

فكتبت إلى الشيخ زين الدين أبو بكر، وجاءني رده سريعاً، حيث هنأني مرشدي الروحي بهذا الشرف الرفيع الذي حباني به السادة والعلماء، وكتب: «إن هذه الفتوى حجة قاطعة، والخلفاء الراشدون يباركون توليتك».

ورحت شيئاً فشيئاً أعد الجيوش وأتأهب للزحف تأديباً للأوزبك، ولم يكن لي خليل أفضى إليه بسري؛ فرغم انقياد الرعية لي لم أكن أجرؤ على المجاهرة برفع لواء العصيان. وسرعان ما تسرب سري بين الناس، فشعر الأوزبك بالخطر المحدق بهم واحتشدوا في مكان واحد. وفي ذلك الحين أتتني رسالة من الشيخ زين الدين أبو بكر يؤكد لي فيها أن النبي سيكون عوناً لي في الأمر الذي عزمت عليه، فثلج صدري واطمأن خاطري.

وفي هذا الوقت، كرّر طغلق تيمور أمره بإعدامي، فأشار عليّ الولي العارف أمير كُلال بالمسارعة إلى خوارزم قائلاً: «لقد أوصاني أمير كلال بالانحياز والتراجع عند مواجهة قوة قاهرة والفرار من عدو تعجز عن كسره؛ فهكذا سنّت الأنبياء سننها».

ورغبة مني في معرفة ما يخبئه لي المسير، استفتحت وتفاءلت بالقرآن الكريم، فخرجت لي الآية الكريمة: «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ». فاطمأننت بعد هذا القول الإلهي إلى أن رحلتي ستكون مكللة بالأمان، وعزمت على المضي في سبيلي.

وقبيل رحيلي، وجهت كتاباً إلى الشيخ زين الدين، وفي عام 1362 غادرت سمرقند في ستين فارساً قاصداً خوارزم. وفي الطريق وافاني جواب الشيخ ناصحاً: «يا تيمور، تحلَّ بأربع خلال:

1. قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «أنا رجل الدنيا، وأنا رجل الدنيا، وأنا رجل الدنيا، وأنا رجل الدنيا».

2. لتكن سيرة الخليل إبراهيم عليه السلام دليلك في شؤونك كلها، واحرص على ألا يُقارف في ملكك زناً ولا فواحش موبقة. ولا تدع دأبك وحزمك يقلّان عن خُلق اللقلق؛ إذ أبصر لقلقٌ يوماً فرخ غراب في عشه، فأعرض عنه ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع انقضّ أربعمائة لقلق فأهلكوا صاحب العش لإيوائه الغراب.

3. إن كل أمر يُقصد به اتباع السنة النبوية لا ينبغي الإقدام عليه إلا بعد الشورى؛ فكم من ملوك استبدوا بآرائهم وأمضوا أمورهم دون مشورة، فما طال عهدهم ولا استقام سلطانهم.

4. اقتفِ أثر الخلفاء الراشدين الأربعة؛ كن مقداماً، حدباً، جواداً، وأعطِ كل أمر حقه من البصيرة والتدبير. واعتبر بالطير كيف يكسر بيضه برفق فائق لتخرج فراخه بسلام». وبينما كنت أسير في إحدى الليالي، فوجئت بغارة من ألف فارس. فاستبسلت مع حراسي الستين حتى قهرنا الأعداء؛ وحُزّت في تلك الملحمة الدامية ستمائة رقبة، ثم بارزت البطل طغرل بوغاتير بمفردي وصرعته، فندم البوغاتير أشد الندم على مجالدتي.

ثم واصلت سيري نحو خراسان، فوقعت في أسر علي بك خان، ولبثت في سجن تعج به الهوام والحشرات شهرين كاملين. بيد أنني انتهزت لحظة مواتية وتمكنت من كسر القيد والفرار. وتوشحت حسامي فمررت بين الحراس ولم يجرؤ أحد منهم من فرط الرعب على اعتراضي. ومن محبسي قصدت علي بك خان مباشرة شاهراً سيفي. وتصادف حينها أن تسلم الخان رسالة من أخيه محمد بك يحذره فيها بأنه إذا ما وطئ تيمور أرضه وجب استقباله بما يليق بقدره من إجلال وتكريم. وقُرئت الرسالة، ولما رآني الخان أمامه استعطفني ملتمساً الصفح عما بدر منه من غلظة صدرت عن جهل بمقامي.