مذكرات أمير تيمور – الجزء الثاني: ذروة مجد الفاتح ورجل الدولة. في شبابي، سمعت من والدي أمير تاراغاي قصة حلم راوده؛ …
في ريعان شبابي، سمعت من والدي الأمير طرغاي قصة رؤيا رآها؛ قال لي والدي ذات يوم: رأيت في المنام شاباً وسيماً ذا ملامح عربية يقبل نحوي ويناولني سيفاً؛ فأخذته بيدي وهززته في الهواء؛ فأضاء العالم بأسره من بريق نصله الفولاذي. فسألت الأمير كلال أن يفسر لي الرؤيا، فقال لي إن لها دلالة نبوية، وإن الله سيهبني ابناً يفتح العالم بأسره، ويدعو الجميع إلى الإسلام، ويطهر الأرض من ظلمات الجهل والضلال. وها قد تحققت هذه الرؤيا:
«لقد وهبني الله إياك يا بني. وعندما جئت إلى هذا العالم، أسرعت بك إلى الشيخ شمس الدين. ولما وصلت، كان الشيخ يتلو القرآن وتوقف عند قوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}، وبما أن كلمة (تمور) وردت في هذه الآية الكريمة، فقد أطلقنا عليك اسم تيمور».
وبعد أن استمعت إلى رواية والدي عن الظروف التي اقترن بها اسمي وعلمت أنه مستلهم من القرآن الكريم، حمدت الله وشكرته وقرأت سورة «تبارك».
ورأيت في منامي ذات مرة أنني ألقيت في نهر عظيم شبكة غطت مجرى النهر كله، وتمكنت بها دفعة واحدة من صيد جميع الأسماك والحيوانات التي تعيش في الماء. وقد فسر لي المعبرون هذه الرؤيا بأنها بشارة بإمبراطورية عظيمة ومجيدة، تبلغ من المجد شأواً تنقاد معه جميع شعوب الأرض لسلطاني.
وبمشورة من الشيخ الصالح كمال، توجهت إلى السيد الجليل الكليالي؛ فاستقبلني السيد مرحباً وهنأني باعتلائي العرش المقدر لنسلي وذريتي. ولما سمعت كلمات السيد كليال المهيب، غمرني الفرح وبدأت في اتخاذ التدابير لإخضاع العالم بأسره. فوفقني الله في كل ما عزمت عليه، وبلغت غايتي في كل مسعى خضته.
عبر إلياس بن طغلق تيمور خان الجسر الحجري على رأس ثلاثين ألف فارس ودمر فسطاط الملك. ولم يكن تحت إمرتي حينها سوى ستة آلاف فارس، ولما رأوا التفوق العددي الهائل لجيش العدو، تملكهم اليأس والقنوط. ولحسن حظنا، وصلت في تلك اللحظة بالذات فرقة من السادة الخراسانيين المقيمين في ترمذ مسرعين لنصرة جيشي. فاستطاع هؤلاء الوافدون الخراسانيون بث الشجاعة والعزم في نفوس جندي، فزال عنهم الخوف من العدو المتفوق. فخضت المعركة ضد إلياس وكتب الله لي النصر عليه. وقبل نشوب القتال، عندما اصطففنا على مرأى من جيش إلياس وأعددنا المدافع، حان وقت الصلاة فقمت أصلي وأدعو. ولما انحنيت في الركوع، سمعت صوتاً يقول لي: «يا تيمور، قد وُهب لك النصر». فالتفتُّ حولي فلم أجد أحداً بجواري، فأيقنت أنني سمعت صوتاً من عالم الغيب، فخررت لله ساجداً بشكر ودعاء.
سيرت حملة عسكرية إلى بلاد فارس. وعلى حين غرة، هاجمني الشاه منصور على رأس خمسة آلاف فارس. ولدحر العدو، أصدرت أوامري بجمع الجنود المسلحين بالرماح الطويلة على عجل، ولكن ويا للأسف لم يكن بين صفوفنا مثل هؤلاء المقاتلين.
وفجأة جاءني العون من حيث لا أحتسب: إذ أقبل فارس ذو هيئة عربية متسلحاً برمح طويل من إحدى الجهات، وهو ينادي بأعلى صوته: «اللهم انصر تيمور!». ولما سمع الشاه منصور صرخة هذا الفارس الغريب، أصابه من الذعر ما جعله يسقط مغشياً عليه عن جواده. فبادر شاه رخ ورفعه على حصانه ومضى به بعيداً. وتوارى الفارس الذي هرع لنجدتي عن الأنظار، واستوليت على عاصمة فارس. وطالبت الأمير حسين بتسليم قلاع شادمان وبلخ وبدخشان. وفي ذلك الوقت، بعث إليّ الشيخ زين الدين أبو بكر رسالة يخبرني فيها بأن مفاتيح خراسان قد سُلمت لي. وبعد أن تلقيت هذه البشرى السارة، لم يعد يساورني أدنى شك في نجاح مشروعي المقبل. وعندما تجلى الخضر المبارك في سمرقند، قُدّر لي أن أشهد كراماته؛ وفي الوقت نفسه قال لي كلمات قاسية أحزنت قلبي بشدة.
وعندما غادرت سمرقند، كنت في حرج وهمّ عظيم، ظناً مني أنني أغضبت الخضر المبارك بكلماتي. ولكن حين وردت تلك الأنباء، سكنت نفسي وأدركت أن ولياً جليلاً كهذا لا يمكن لفانٍ أن يكدر صفوه.
بعد ذلك، هدمت المزارات التي كان السكان المحليون يعبدون فيها أوثانهم، ونشرت الدين الحنيفي في ربوع البلاد. وكان أعظم تلك الهياكل معبد طغل بهادر¹. وعندما عزمت على هدمه، جاءني الكهنة (البراهمة) وعرضوا عليّ أموالاً طائلة من الذهب سائلين أن أبقي على المعبد. فلم أصغِ إلى توسلاتهم وأمرت بطردهم. وكان في داخل المزار تمثال لرجل ينتصب بين أوثان أخرى؛ وعندما هممت بالأمر بهدمه، رجاني أحد الكهنة أن أبقي على تمثال هذا الولي صانع المعجزات، الذي يحظى بمكانة سامية في معتقدهم؛ وزعم أن هذا الرجل بلغ من القوة أنه كان يعاشر ألفاً وستمائة امرأة في ليلة واحدة. فأجبته بأن الشيطان أشد قوة من وليهم هذا، وبوسعه أن يعاشر ما يشاء من النساء في ليلة واحدة.
كنت أشرع في كل عمل متوكلاً على الله وحده، دون أن أستطلع إن كان الوقت ملائماً للصنيع الذي أقدم عليه. ومع ذلك، وجد العرافون والمنجمون أن كل خطوة خطوتها كانت تتطابق تماماً في ميقاتها مع طوالع النجوم والأقدار المهيأة لكل حدث.
كنت أعلم عاقبة كل أمر جلل أخوضه مسبقاً، إذ كانت الرؤى تكشف لي عما ينتظرني. فعندما قدم طغلق تيمور لأول مرة إلى ما وراء النهر، رأيت في المنام طائراً كاسراً (صقراً) يطير نحوي ويحط على ذراعي. وفي تلك اللحظة أقبلت أبقار كثيرة فقمت بحلبها. وفُسرت لي هذه الرؤيا بأنها بشارة بحسن طالعي؛ فالطير على يدي رمز للسلطة والقوة، وتلك الأبقار الكثيرة دلت على منافع وخيرات وفيرة ستصيبني. وبالفعل صدقت الرؤيا: فقد انضممت إلى طغلق تيمور وجلب لي ذلك مكاسب عظيمة.
أقبل الأمير حسين، حفيد الأمير قزغن حاكم كابول، لاستعادة ملك أبيه. وقد بسطت له يد العون بكل سخاء، إلا أنه أضمر الغدر وقرر قتلي رغم كوني متزوجاً من أخته. وسعياً مني لاستمالته وإصلاح ما بيننا، عينته حاكماً على بلخ؛ ولكن ذلك لم يؤتِ الثمار المرجوة، بل زاده غروراً واستكباراً، فظل على عدائه وأضمر شن الحرب عليّ. فما كان مني إلا أن شرعت في اتخاذ العدة اللازمة لقتال الأمير حسين.
وبينما كنت أتأهب للحرب، رأيت في المنام أن الأمير حسين يقدم لي سيفاً على طبق من فضة، وكان نصله مغطى بالذباب بالكامل. وعُبِّرت هذه الرؤيا بأنها تبشرني بنصر ومدد من الإمام الحسين، سليل الدوحة النبوية. وبحسب تأويل الرؤيا، كان مقدراً أن تنتقل منعة الإمام الحسين إليّ وأن أظفر بخصمي وأقضي عليه. ولقد تحقق ذلك كله، فتوجهت لزيارة مرقد الإمام الرضا شكراً وتكريماً لآل بيت النبي الذين شملتني بركتهم.
وفي أحد الأيام، فررت من سمرقند، ورأيت نفسي في المنام أبكي؛ وظهر غراب أسود يحط على كتفي وسرب من الذباب يحيط بي من سائر الجهات. فطردت الذباب واستيقظت منقبض الصدر. وفي تلك الأثناء بالذات، باغتني طغل بهادر بألف فارس. فأدركت حينها أن بكائي والغراب الأسود كانا نذيراً بالمشقة والبلاء، وأن كثرة الذباب عنت طغل بهادر وجنده الذين كُتب عليّ قهرهم. وبالفعل التقينا في معركة حامية، وأنزل به هزيمة نكراء.
وعندما توجهت إلى بلخ، رأيت في المنام أن قوارير من الخمر قد أُحضرت إليّ، فهشمتها بضرب إحداها بالأخرى. ورأيت سيفي وقد أصابه اعوجاج وتشوه، فحسبت ذلك نذير شؤم. ثم هاجمني الشاه منصور بخمسة آلاف فارس؛ فأنزلت به هزيمة ساحقة، وتشتت جموع جيشه واندثرت في أراضي القبجاق.
في أحد الأيام، تناسى توختاميش خان كل الصنائع والمعروف التي أسديتها إليه في أوقات شتى، وزحف بجيش لا يُعد ولا يُحصى عازمًا على إشعال الحرب ضدي. ورجاءً في استمالته بالحسنى، كتبتُ إليه كتابًا أنصحه فيه بألا يجازي الإحسان بالإساءة، وإلا حاق به عقاب أليم جزاء نكرانه للجميل. وفي تلك الأثناء، رأيتُ في المنام شعاعًا من نور الشمس يهبط من جهة المشرق على رأسي، ثم بدا وكأنه انطفأ واضمحل. وفسّر لي المعبّرون تلك الرؤيا بأنها تدل على قدوم توختاميش خان وهزيمته الساحقة في حربه ضدي.
وحين توجهتُ تلقاء العراق، رأيتُ في منامي حشدًا من الأسود والعقارب هناك. وما إن انقضى يوم حتى أقبل عليّ الأمراء معلنين الطاعة والولاء، فبسطتُ سلطاني على تلك الديار.
وبينما كنتُ على وشك الزحف نحو بلاد الهند، رأيتني في المنام داخل بستان بهيج تتفرع فيه أشجار مثقلة بالثمار، وكانت الطيور قد اتخذت في أغصانها أعشاشًا كثيرة؛ فأخذتُ مقلاعًا ودمرتُ تلك الأعشاش عن بكرة أبيها. وبحسب تأويل المعبرين، كان المنام يبشر بنجاح باهر في حملتي على الهند، وهو ما تحقق جليًا في الواقع؛ إذ فتحتُ الهند وخربتُ فيها مدنًا كثيرة.
ولما هممتُ بالمسير إلى بلاد الشام، تضافرت ضدي قوى الشام ومصر والروم، وبدا التصدي لهذا الحلف الثلاثي أمرًا شاقًا جسيمًا. فتلوتُ الصلاة على النبي وأويتُ إلى فراشي. ورأيتني حينئذٍ أرتقي جبلًا أشم، وكانت سحب رصاصية تدنو فوق رأسي، وحجاب كثيف من الضباب يلفني. وسرعان ما انفرجت السحب عن وابل صيب من المطر، فانقشع الضباب إثر ذلك الغيث. وبشّرني المعبرون بأن تلك الرؤيا تعني النصر المؤزر على الأعداء المحتشدين ضدي؛ وقالوا: «الجبل هو عاصمة الشام، مقصد حملتك؛ والسحب والضباب هما جحافل أعدائك، والغيث هو جيشك الظافر. وكما بدد المطر الغيوم والضباب، فكذلك ستنقض عساكرك على جموع العدو وتبددهم شذر مذر». وقد تحققت هذه الرؤيا بالفعل.
وفي أحد الأيام، وبينما لم يكن في حوزتي سوى مائة ألف مقاتل، هاجمني قيصر ملك الروم بجيش عرمرم قوامه أربعمائة ألف رجل. فتوسلتُ بشفاعة آل بيت النبي وتلوتُ الصلاة عليه ثم نمت. فرأيتُ في المنام أنني في بادية شاسعة، والناس حولي جموع غفيرة، وثمة نور يسطع في الأفق البعيد. فحثثتُ الخُطى نحو تلك البقعة المضيئة؛ ولمحتُ ثلاثة أكوام من الرماد في الطريق فتابعتُ مسيري، حتى أدركتُ خمسة رجال يسيرون أمامنا. وفجأة هبت عاصفة هوجاء، فأوضح أحد السائرين في الطريق أن العاصفة إنما هي إشارة إلى صعود النبي إلى السماء وسط شدائد عظيمة. فصعدتُ وحظيتُ بشرف السلام على رسول الله. وكان بيد أحد الرجال الذين لقيناهم قضيب من نور؛ فأشار النبي بيده آمرًا إياي بأخذه، فتناولته من يده. واستيقظتُ تغمرني الغبطة لرؤية النبي ونيل تلك العناية والكرامة السامية منه. وفي صبيحة ذلك اليوم، خضتُ معركة ضارية ضد القيصر، فقبضتُ على الراية البيضاء وألحقتُ به هزيمة ساحقة وطردتُ جيشه. وقد أصابني أثناء القتال نصب شديد وتوعك، فساورني قلق عميق عند التفكير في الموت؛ ماذا سيكون مآل مملكتي بعد رحيلي، ومَن مِن ذريتي سأولي مكاني؟ فسرّ النبي أن طمأن قلبي، وأوحى إليّ بأن سبعين جيلًا من عقبي سيتولون الحكم والملك.
وفي تلك الآونة، رأيتُ في المنام كأنني تحت شجرة وارفة تبسط أغصانها فوقي وتحميني من وهج الشمس. وكانت الطيور والحشرات ترفرف بين أغصانها وتأكل جميعًا من ثمار الشجرة الظليلة التي أستريح في فيئها. وذقتُ بنفسي بعض ثمارها، فكان بعضها حلوًا والآخر حامضًا. وسمعتُ في المنام صوتًا يقول إن الشجرة التي أراها تمثل ذريتي. فلما استيقظتُ، فسر المعبرون الرؤيا قائلين: «الشجرة هي أنت؛ والأغصان والأوراق هي نسلك؛ والثمار هي سطوتك وملكك وثراؤك؛ أما الخلائق التي تأكل من ثمار الشجرة فهم الرعايا والشعوب الخاضعة لك التي تنعم بعطاياك الجزيلة».
وبينما كنتُ أمارس شؤون حكمي، رأيتُ ذات ليلة في المنام أنني محاط بأرواح مخيفة، وخنازير، ورجال ونساء قبيحي المنظر، ووحوش ضارية وطيور كاسرة. فاستيقظتُ مروعًا، وبادرتُ بكتابة رسالة إلى مرشدي الروحي وملاذي، الشيخ زين الدين، أقص عليه هذا المنام. فوردني منه الجواب سريعًا.
«فكتب يقول: إن تلك الفزاعات التي رأيتها في المنام إنما هي أعمال سيئة ارتكبتها، فعليك بالتوبة والإنابة». فتبتُ إلى الله من سيئاتي توبة نصوحًا، فرأيتُ منامًا مغايرًا تمامًا لتلك الرؤيا المروعة السابقة؛ إذ رأيتُ نفسي مستريحًا في روضة غناء بديعة، مزدانة بسائر صنوف الرياحين ومغروسة بالأشجار المثمرة، وتجري في وسطها أنهار عظيمة، بينما كانت ألحان رخيمة تسري إلى مسمعي. فكتبتُ إلى الشيخ مجددًا أخبره بالرؤيا، فأجابني بأنها رؤيا خير وبركة، تدل على أن توبتي قد قُبلت عند الله وغُفرت لي كل المظالم التي اقترفتها. وكتب الشيخ: «قال النبي إن لكل إنسان قرينًا من السوء يتربص بأعماله، وبتوبتك هذه قد قهرت قرين السوء، ويجب على كل مسلم أن يدفع بأس قرينه بالتوبة وصالح الأعمال بعون الله».
ولما كنتُ في حملتي العسكرية من سمرقند نحو الصين، رأيتُ في المنام كأنني أسقط من أعلى أغصان شجرة عظيمة إلى الأرض؛ وكان على رأسي قدح من ماء فسقط هو الآخر وانسكب ماؤه. وعندها أخذ والدي، الأمير تاراغاي، لجام الفرس من يدي وقادني إلى داخل بستان، ثم تركني هناك وتوارى عن ناظري. وقدم لي المعبرون تأويلًا للمنام، لكني لم أركن إلى أقوالهم وفوضتُ أمري إلى تدبير المقادير.
وفي ذلك الوقت عينه، رأيتُ منامًا آخر؛ كأنني ضللتُ الطريق في برية مقفرة تعج بالوحوش الضارية. وبعد أن قطعتُ تلك المفازة، وصلتُ إلى جنة يانعة وجدتُ فيها ثمارًا يانعة وآلات طرب. وكان ينتصب في البستان عرش هائل، وبالقرب منه برج مشيد يجلس على قمته قوم، وأمام كل واحد منهم سِفر يخطون فيه بأقلامهم. فسألتهم عما يكتبون، فأخبروني بأن مهمتهم هي تدوين ما قُدّر لكل إنسان أن يلقاه في حياته. فتملكني الفضول، وطفقتُ أسأل عمن خط تفاصيل مستقبلي، وفي تلك اللحظة استيقظتُ مضطربًا من أثر الرؤيا.
وحين استوليتُ على بلاد فارس، ثار أهل شيراز بتحريض من الشاه منصور وقتلوا الوالي الذي نصبته عليهم. فأمرتُ بالتنكيل بسكان قرى شيراز ومعاقبتهم. فجاءني السيد الشريف جميل القادر ملتمسًا العفو عن أهل شيراز، لكني رددتُ شفاعته ولم أصغِ إليه. وفي الليلة التالية رأيتُ في المنام النبي يخاطبني بحزم وجلال: «يا تيمور، ألم ترعَ رجاء سليل عترتي ولم تعفُ عن أهل شيراز؛ أفلستَ أنت نفسك ترجو شفاعتي؟». فاستيقظتُ تملأني الرهبة والوجل. ومضيتُ لساعتي إلى السيد جميل القادر مستغفرًا معتذرًا عن رد التماسه، ولم أكتفِ بالعفو عن أهل شيراز، بل أكرمتُ أهلها وأقطعتُ الخواجة محمود أرض مغريجان. وتيقنتُ حينها أن ما يقوله السادة الأشراف يجب أن يُطاع دون تردد، وأن ذرية النبي واجبة الإجلال والتوقير بكل سبيل، فترسخت محبة آل البيت في صميم فؤادي. وكتبتُ بما جرى لي والرؤيا التي رأيتها إلى الشيخ زين الدين، فأرسل إليّ جوابه قائلًا: «أعطاك الله كل ما سألته. وأوصِ عقَبك من بعدك بأن مغفرة النبي وشفاعته هي الملاذ الأعظم للخلائق. إن حب ذرية النبي وإجلالهم هو العروة الوثقى للنجاة في الأولى والآخرة. وكلما قمتَ إلى الصلوات الخمس فابعث عليهم بالبركات لتكون صلاتك مقبولة عند الله. وإذا فعلت ذلك، فلك أن ترجو حسن الثواب في دار البقاء. واصرف إلى ذرية النبي كل ما في وسعك من رعاية وإكرام».
في أحد الأيام قال لي والدي: «استمع وعِ جيدًا هذه الوصايا التي سألقيها إليك الآن:
1. عظّم أسلافك ولا تطوِ ذكرهم في غياهب النسيان؛ واذكر دومًا أنك، يا تيمور، ابن تاراغاي، وتاراغاي ابن الأمير بارغول، وبارغول ابن الأمير إيلينغيز، وإيلينغيز ابن بهادور، وبهادور ابن أنجال نويان، وأنجال نويان ابن سويونتشي، وسويونتشي ابن إردامتشي برلاس، وإردامتشي برلاس ابن كاتشولي بهادور، وكاتشولي بهادور ابن تومان خان الذي ينتهي نسبه إلى يافث. وكان من بين أجدادنا قراجار نويان أول من عرف الله بتأمل ملكوته، ومعه عشيرته الذين أذعنت عقولهم لحقيقة الإسلام؛ وبعد أن أقر لله الواحد بالألوهية والملك، أقر لرسول الله بمقام الوزارة العظمى ثم للخلفاء الراشدين من بعده.
2. وإني أعهد إليك يا تيمور أن تقتدي دومًا وفي كل شأن بهدي آبائك وأجدادك، وفقًا لأحكام الشريعة الغراء، وأن تبجل ذرية النبي وتوقرهم، وتكون رحيمًا رفيقًا بالرعية.
3. واعلم أننا جميعًا عبيد لله، أسرى في قبضة الأقدار تحت هذه القبة الزرقاء؛ فارضَ بكل ما قسمه الله لك، واشكره على آلائه وسابغ رحمته. واذكر اسم الله ووحده، وأطع أوامره وانتهِ عما نهى عنه وزجر.
4. لا تقطع رحمًا ولا تلحق أذى بأحد. وأجزل العطاء لمن يخدمك بصدق، وعوّد نفسك على العدل والتجرد من الهوى. وعامل كل ذي روح بالرفق والمداراة». وبعد أن وعيتُ نصائح والدي الحكيمة، عقدتُ العزم الراسخ على العمل بمقتضاها في حياتي.
ولما بلغتُ السابعة عشرة من عمري، اعتزل والدي شؤون الدنيا وآثر العزلة. فجمعتُ سائر أنعامه وأملاكه، وفرزتُ مائة كبش في حظائر منفصلة، وفصلتُ الذكور عن الإناث لحسن التناسل والنماء. وجعلتُ على كل اثني عشر عبدًا من مماليك والدي عريفًا يدبر شؤونهم.
وقصدتُ الولي الصالح الأمير كلال، فلما دخلتُ عليه جلستُ بين الأجلاء من القوم الحاضرين. فالتفتَ الأمير كلال إليّ من فوره، وقال للجالسين إنني وإن بدوتُ فقيرًا متواضع الحال، فإنني في الحقيقة رجل ذو شأن عظيم. ثم أطرق الأمير رأسه وسكت مليًا؛ وكان بين يديه أرغفة من الخبز وحلوى الحلاوة. ولما رفع رأسه، ناولني سبعة أرغفة وقطعة من الحلوى وقال: «كُل هذه الأرغفة السبعة، وستكون سلطانًا على أقاليم الأرض السبعة، وستحكم العالم بأسره». فتملكني العجب، ودهش الحاضرون جميعًا. وبعثتُ بالأرغفة السبعة إلى والدي، فردها إليّ موضحًا أن الأمير كلال وليّ من أولياء الله وأن نبوءته ستتحقق لا محالة. فاحتفظتُ بالخبز وخبأته؛ وكان ذلك مستهل فتوحات بركات الله عليّ.
وفي ذات يوم، مضى والدي الأمير تاراغاي إلى الأمير كلال، فقال له الولي: «أهنئك بأن وهبك الله ابنًا مثل تيمور». ثم ناوله حبات من القمح والزبيب، وأمره أن يعدها؛ فكانت ثلاثمائة وسبعين حبة بالتمام. فقال الأمير كلال لوالدي: «من هذا العدد ستعرف عدد ذريتك». فخبأتُ الحبوب التي منحها الأمير كلال لأبي، وما فتئت ثروتي تنمو وتزداد. وقصصتُ على والدتي ما حدث، فتوجهت بدورها بعد الصلاة إلى الأمير كلال، فقال لها: «أيتها المرأة! سيكون ابنك ملك العالم، وسينال ثلاثمائة وسبعون من نسله سطوة ومجدًا، وسيحكم منهم سبعون ملكًا. وقد يربو ملوك ذريته على ذلك إن هو تمسك بشريعة النبي ولم يحد عن سنته الطاهرة». فنقلت إليّ أمي كل ما سمعته من الأمير كلال، فعقدتُ العزم الأكيد على التزام الشريعة في سائر أفعالي.
وبلغتُ الثامنة عشرة من عمري، فاشتد ساعدي وصرتُ فتى قوي البنية شغوفًا بركوب الخيل والصيد. وذات يوم طاردتُ ماعزًا جبليًا على صهوة جوادي، فاعترضت طريقي هوة سحيقة عرضها خمسة أقواس وعمقها أربعة أقواس. ولم أتمكن من كبح جوادي، فوثب بكل بأسه فوق الهوة؛ غير أنه لم يدرك الحافة المقابلة إلا بقائمتيه الأماميتين، بينما تدلت الخلفيتان في الهاوية. فتسلقتُ الجرف سريعًا ونجوت، بينما هوى الحصان في قعر الوادي. وحمد أصحابي الله على نجاتي؛ ولما لم يستطع أحد منهم عبور الفجوة، مشيتُ راجلًا بمحاذاة الشفير حتى بلغتُ موضع حاشيتي، وهناك ركبتُ جوادًا آخر. وواصلنا المسير، لكن سرعان ما هطل مطر غزير تحول إلى ندف من الثلج، ثم عصفت بنا زوبعة ثلجية عاتية.
وانقطع رجاؤنا في بلوغ غايتنا سالمين واستسلمنا لدنُوّ الأجل. بيد أننا لمسنا عن بُعد أشباحًا داكنة ظنها رفاقي تلالًا، فانطلقتُ أعدو بفرسي مجتازًا الفراسخ الثمانية التي تفصلنا عنها. ولما اقتربتُ، رأيتُ قبسًا من نور، وبدت لي في حلكة الليل خيمة منسوجة من القصب، فبادرتُ بالدخول إليها للاحتماء من الثلج. ولاحقًا، حين بسطتُ سلطاني، كافأتُ صاحب الخيمة على حسن ضيافته بأن رفعتُ الخراج عن كاهله وكاهل أسرته، وأجزلتُ له العطاء لقاء صنيعه في تلك اللحظة العصيبة. ولما بلغتُ التاسعة عشرة ألمّ بي سقام شديد؛ فعالجوني بشتى الأدوية دون جدوى، فلبثتُ سبعة أيام لا أذوق طعامًا ولا شرابًا وأنا أتقلب في الحمى. وحينها انتبه من حولي إلى قرحة قد تفجرت في يدي بين أصابعي. وبكى أهل البيت إشفاقًا من خاتمة المرض المشؤومة، وبكيتُ أنا نفسي؛ لكني سرعان ما طعمتُ ونهضتُ معافى.
وفي أحد الأيام، بينما كنتُ في غرفة والدي عاكفًا على تلاوة سورة من القرآن الكريم، مثل أمامي رجل شريف يُدعى تبارك، طويل الشعر، وتنبأ لي بأنني سأكون ملكًا عظيمًا. فلم أتردد في إخبار والدي بما رأيت. فذهب أبي إلى العرافين ليستطلع ما يخبئه لي القدر، فتكهنوا بأنني سأكون ملكًا ذا صولة لا نظير له في المعمورة. فاستبشرتُ بما ينتظرني من مجد باهر، وأخذتُ أجزل الصدقات للمرضى والمعوزين.
ولما بلغتُ العشرين، شغفتُ برياضة الفروسية؛ فكنتُ أقسم أقراني إلى فرقتين، وأجري بينهم معارك ومناورات تدريبية تحاكي الحرب الواقعية.
ودخلتُ عامي الحادي والعشرين، فاكتملت رجولتي وبلغتُ أشدّي. وفي تلك السنة، التي كانت من مضاعفات العدد سبعة، أغدق الله على والدي الأمير تاراغاي ورعاياه بمواسم حصاد وفيرة من سائر الغلات، وتكاثرت المواشي نماءً وبركة. فأقمتُ على كل اثني عشر عبدًا عريفًا، وجمعتُ الخيل في مرابط مستقلة يضم كل منها عشرين فرسًا، وجعلتُ على كل عشرة مرابط سائسًا، ووكلتُ راعيًا لكل اثني عشر جملًا، وآخر لكل ألف رأس من الغنم. وأسندتُ إدارة أملاكي برمتها إلى خادم أمين موثوق. وما إن فرغتُ من هذا التنظيم حتى ألمّ بي مرض عضال؛ فنصحني طبيب من سمرقند بشرب عصير الرمان، فلما تجرعته غبتُ عن الوعي واختلط عقلي. وحزن أهلي حزنًا عميقًا لذبول صحتي وبكوا حذرًا عليّ. فقيّض الله لي طبيبًا تركستانيًا فصدني واستخرج مني الدم الفاسد فبرئت. وأخرجتُ صدقات وفيرة من الخيل والكباش، ونذرتُ نحر مائة بدنة لروح النبي، وإهداء نوق كثيرة لأرواح الخلفاء الراشدين؛ وبفضل الدعاء وسابغ رحمة الله، تماثلتُ للشفاء التام.
وفي ذلك العام، جلب السلطان كران بن سَور ويلات فادحة ومظالم شنيعة على أولوس جغتاي؛ حتى لهجت ألسنة الفقراء والأغنياء بالدعاء أن يعجل الله بهلاكه. فعزمتُ على تأديب كران، وشرعتُ في حشد الجند لذلك؛ ومع أنني أسديتُ الخير للكثيرين، إلا أنني لم أجد في ميدان الحرب سوى قلة من الأنصار، فآثرتُ التريث لترصد الفرصة المواتية. وخاض الأمير قزغن، زعيم أمراء جغتاي، معركة ضد كران في وادي زنغا؛ ولدهشة الجميع، اندحر المحق أمام الباغي، واستفحل طغيان كران بعد ذلك. ثم تتابعت الرزايا على رؤوس الرعية، إذ هبطت موجة صقيع قارس ألهبت أسعار سائر الأقوات والضروريات. وفي نهاية المطاف، جمع الأمير قزغن جيشًا جرارًا، وأطاح بالطاغية كران وأسره، ورد المظالم إلى أهلها وأنصف كل من ناله الأذى.
كنت أرغب في أن أكون الحاكم الأوحد لـ بلاد ما وراء النهر، ولكن بما أن الأمير قزغن كان حاكماً رحيماً وعادلاً لشعبه، فقد امتنعت عن ذلك.
عندما بلغتُ الثانية والعشرين من عمري، عكفتُ على التحالف مع قبيلة برلاس. جمعتُ مجلساً ضمّ أربعين شاباً ممن درسوا معي، وبسطتُ أمامهم عزمي على حشد جيش عند جبل عرفات. وفي ذلك الحين، توفيت والدتي فأقمتُ مأتماً لذكراها. وسرعان ما خطب لي والدي ابنة الأمير جاغو برلاس.
في أحد الأيام، وخلال رحلة عمل، بلغتُ الموضع الذي كان ينعقد فيه مجلس الأمير قزغن، وكان والدي حاضراً هناك أيضاً. ولما مثلتُ بين يدي المجلس، خاطبتُ الأمير قزغن بنفسي، فما كان منه إلا أن استقبلني بحفاوة بالغة وأصغى إليّ بكل اهتمام، بل وزوّجني حفيدته. غمرتني فرحة عارمة بهذا الشرف العظيم، ونلتُ من الأمير قزغن أملاكاً ومواشي وفيرة. لم يكن حاكماً ذا شوكة وبأس شديد، وكان من اليسير عليّ تجريده من ملكه، لكني أبيتُ أن أقابل الإحسان بالإساءة. وفي ذلك العام بلغتُ الثالثة والعشرين من عمري. وحدث يوماً أن داهمتني عاصفة مطرية هوجاء أثناء الصيد فضللتُ طريقي. تراءى لي جبل في الأفق، فحثثتُ خطى جوادي قاطعاً المسافة الفاصلة نحوه. وعند سفوح ذلك الجبل الأشمّ، انتصبت خيام من القصب، فالتجأتُ إلى إحداها اتقاءً للبرد القارس. استقبلني أهل الخيمة بكرم ضيافة قلّ نظيره، فقصصتُ عليهم ما كابدته في سالف أيامي، فطلبوا مني الإكثار من الصلاة على النبي، مؤكدين أنها كافية لبلوغ كل مقصد ومرام. وبعون من الله، تيسر لي تدبير اللقاء للمرة الثانية، فقالوا لي: «وراء حجب الغيب عونٌ أُعدّ لك يا أمير؛ فآل بيت النبي يؤيدونك، وخليفته سيكون لك عوناً ورفيقاً، بيد أنك لن تدرك كنه هذا الخليفة إلا قبيل منيتك». بددت هذه الكلمات كل ما اعتراني من قلق واضطراب؛ فاستبشرتُ خيراً ونبذتُ نيتي السرية في التوجه إلى خراسان، ويممتُ وجهي شطر هرات. وأثناء مسيري، وافتني رسالة من الأمير حسين يُعلمني فيها: «قد أجمع قادة جندي على الغدر بي وتنصيب الأمير باقر؛ وكل أملي أن تعجل بالقدوم، لعلني أنضم إليك ونمضي معاً إلى الأمير قزغن لنحظى بإكرامه».
دونما إبطاء، نهضتُ على رأس جيش وانطلقتُ صوب هرات في المساء نفسه. خرج الأمير حسين من المدينة متظاهراً بعزمه على منازلتي في ساحة الوغى؛ فتوجستُ من مكره وأعددتُ العدة للقتال متوكلاً على الله؛ فإذا به يقبل نحوي حاملاً كنوزاً وأموالاً طائلة، وتم اللقاء بيننا على صهوة جوادينا. ثم انطلقنا معاً إلى الأمير قزغن، الذي بادر فور علمه بمسيرنا إلى إرسال ابنه عبد الله لاستقبالنا. وقدّمتُ الأمير حسين قبلي محملاً بالهدايا النفيسة ليمثل بين يدي الأمير قزغن. ضمّ قزغن حسيناً إلى صدره برفق وقال له: «بيّض الله وجهك»، ودعاه للمقام في فسطاطه. وما هي إلا لحظات حتى ثار جند الأمير حسين وطمعوا في نهب خزائنه؛ ولم يكن في يد حسين من المال ما يرضي به أولئك الثائرين ويسكن فورتهم. فلما يئس المتمردون من نيل درهم منه، ائتمروا على قتله. ولحسن الطالع، فطن حسين لغدرهم في الوقت المناسب فلجأ إليّ مستجيراً. فاتخذتُ كل ما يلزم من تدابير لدفع الخطر المحيط به وإنقاذه من هلاك محتوم.
خرجتُ يوماً برفقة الأمير حسين في رحلة صيد، فالتحق بنا في أثنائها الأمير قزغن وعشرة فرسان من حاشيته. كان قزغن في غاية اللطف ودماثة الخلق، حتى ملك قلوبنا بحسن معشره وغدونا أصدقاء مخلصين. توقف الأمير حسين عند ضفاف النهر، غير أن الأمير قزغن دعاه للارتحال إلى موضع يدعى أرمغان، وهناك دبّر الأمور على أكمل وجه.
مكث الأمير قزغن في مقامه، بينما ودّعناه أنا والأمير حسين وقطعنا الفيافي مجدين في السير دون هدى طريق مطروق. وبعد رحلة شاقة وطويلة، بلغنا ضفاف نهر المرغاب. وهناك صكت مسامعنا أنباء غير سارة من هرات؛ إذ وردتنا الأخبار بأن الأمير باقر قد انتهز فرصة غيابنا، فاستمال أهل هرات واستأثر بالسلطة لنفسه بالكامل. وإزاء هذه الأنباء المقلقة، طلب الأمير حسين مشورتي فيما ينبغي فعله في هذا المأزق العسير. فأشرتُ عليه بوجوب مباغتة هرات بهجوم حاسم؛ فإن ظفرنا نلنا بغيتنا، وإن أخفقنا كان شرف الشجاعة كافياً لإعلاء ذكرنا. نزل الأمير حسين عند رأيي؛ فاستخرتُ وتفاءلتُ بالأمر، وما زادتنا البشائر إلا إصراراً على المضي قدماً، مبشرة بنجاح المسعى. وعاهدني الأمير حسين إن أدركنا الفوز أن يقاسمني ملك خراسان. حينئذٍ انطلقتُ بصحبته نحو خراسان على رأس ثلاثمئة من صناديد فرساني الشجعان. ولما شارفنا هرات، كانت أبواب المدينة مشرعة على مصراعيها. أثار هذا الأمر الغريب ريبة الأمير حسين وفزعه؛ إذ استنتج من انفتاح الأبواب أن العدو لا يلقي لنا بالاً ولا يخشى بأسنا حتى يكلف نفسه إغلاقها عند اقتراب جحافلنا. فطفقتُ أهدئ من روع الأمير حسين، ثم ألهبتُ جوادي بالسوط واقتحمتُ مشارف المدينة ساحباً الجيش في إثري. توغل الأمير حسين وجنده نحو قلب المدينة، بينما رابطتُ أنا عند الأبواب لأذود عن الداخلين إزاء أي هجوم مباغت قد يدهمهم من الخلف. وفي تلك الأثناء، تسلل حسين إلى معسكر باقر، فأسره وهو غارق في نومه واستولى على العرش. ثم بعث الأمير حسين رسولاً يدعوني لدخول المدينة. وحينها، همّت قوات باقر، بعدما علمت بالمصير الذي حلّ بأميرها، بمهاجمة عسكر الأمير حسين؛ غير أن مقدم جيشي ألقى الرعب في قلوبهم وأجبرهم على التراجع معلنين خضوعهم المطلق للأمير حسين.
ومع أن حسيناً بلغ غايته بفضل عوني وسندي، إلا أنه تناسى الوفاء بعهده السابق تماماً. فاستشطتُ غضباً من نكران الجميل هذا، وعقدتُ العزم على تأديبه وطرده بالقوة لأتربع بنفسي على سدة العرش. بيد أن هذا العزم لم يلقَ قبولاً لدى جندي، مما اضطرني للعدول عن الخطة. وهناك تجلت لي حقيقة أن رفيقاً مخلصاً خيرٌ من ألف من الكافرين. ففارقتُ الأمير حسين ومضيتُ قاصداً الأمير قزغن. ولما بلغتُ مقصدي، تهلل وجه الأمير قزغن فرحاً بلقائي. وكان رعايا قزغن في ذلك الوقت يضمرون له التمرد؛ فلما علمتُ أن لواء العصيان يقوده رجل يدعى دانيشمانشا أوغلان، كشفتُ الأمر لقزغن وأشرتُ عليه بأن يبعث برسائل وهدايا لكافة الأطراف باسم دانيشمانشا أوغلان، ثم يجزي من دان بالولاء خيراً، وينزل بالخارجين أشد العقاب.
كنتُ في الرابعة والعشرين من عمري، وشرعتُ أتعمق في دراسة فنون الحرب متطلعاً للاستئثار بمقاليد الحكم.
وفي ذلك الحين، سعى المتآمرون على الأمير قزغن إلى مصادقتي؛ فقد كانوا يتحينون فرصة سانحة للفتك به، وعرضوا عليّ الانضمام لصفهم والمسير مع دانيشمانشا أوغلان إلى الأوردو لانتزاع العرش. فأظهرتُ لهم الموافقة فوراً، بينما سارعتُ في الخفاء إلى تحذير الأمير قزغن من الخطر الداهم الذي يتربص به. ولما فطن المتمردون إلى ذلك، بادروا بدورهم إلى إرسال كتاب للأمير قزغن يبدون فيه ندمهم الصادق على التآمر على حياته. فقبل الأمير قزغن اعتذار هؤلاء الطغاة شاكراً، وازدادت ثقته بي رسوخاً.
وفي إحدى الأماسي، دعاني الأمير قزغن إلى داره. ولما دخلتُ عليه، وجدتُ المتآمرين كافة في مجلسه؛ وقد أخفوا الخناجر والأسلحة تحت طيات ثيابهم. فطنتُ إلى ذلك من فوري وأسررتُ بالخبر إلى الأمير. وحين أدرك أن خصومه يحيطون به بالفعل، تظاهر الأمير قزغن بالمرض وأمر جميع الحاضرين بالانصراف، ثم استشارني فيما يجب اتخاذه. فأشرتُ عليه ببذل الهدايا والعطايا لجميع الساخطين؛ فنفذ الأمير مقترحي وأغدق عليهم بالمنح الجزيلة.
ولما شرع القوم في اقتسام هدايا الأمير فيما بينهم، دبّ الخلاف وتنازعوا، فانفرط عقد مؤامرتهم وتبدد شملهم. وبلغ من سرور الأمير بصنيعي أن منحني مدينة شيرغانات مكافأةً على ما قدمته له من جليل الخدمات.
كنتُ حينها في الخامسة والعشرين من عمري. وكان الأمير قزغن يتوق لفتح خوارزم، لكنه استعظم خطبها ورآها مهمة شاقة، فأراد أن يكلها إليّ. فأدركتُ أن الأولى بي أن أبعث بغيري أولاً لمقارعة العدو، ثم أنفرد أنا بفتح خوارزم الحاسم. وكان أقرب المقربين إلى الأمير قزغن آنذاك هو الأمير خسرو بيانقولي. فخلوتُ به وألقيتُ في روعه أن يُقنع الأمير قزغن بأن الاستيلاء على خوارزم أمر يسير لا مشقة فيه، وأنه من الأولى أن يعهد الأمير بهذه المهمة لنجله عبد الله ليفوز بخلود المجد والشرف؛ إذ لو توليتُها بنفسي لاستأثرتُ وحدي بفخر فتح خوارزم.
نقل خسرو بيانقولي للأمير قزغن ما أمليته عليه، فأذعن الأمير وأرسل عبد الله على رأس جيش إلى خوارزم. في هذه الأثناء، تحصن أهل خوارزم داخل مدينتهم، وأخذوا يشنون غاراتهم تحت حماية الأسوار، فكانت لهم الغلبة على جيش عبد الله وحالوا دون دخوله الحصن. أرسل عبد الله يخبر والده بهزيمته النكراء، فرأى الأمير قزغن أنه لا مناص من أن أزحف بنفسي لفتح خوارزم، وأمرني بالنهوض بهذه المهمة دون إبطاء. ولما كان ذلك عيني ما أردت، زحفتُ بجيش لجب نحو خوارزم، بينما استولى الذهول على عبد الله من عظيم حظي. ومع اقتراب جحافلي، تقهقر أهل خوارزم ولاذوا بأسوار المدينة. فبادرتُ فوراً بمراسلة أعيان القوم ووجهائهم وبذلتُ لهم الهدايا، مستميلاً إياهم سراً لتسليم المدينة طوعاً. فتم لي ما أردت ودخلتُ خوارزم صلحاً دون إراقة قطرة دم. ولما قفلتُ راجعاً مع عبد الله إلى الأمير قزغن، استقبلني بوافر الثناء والامتنان، وقلّدني حكم خوارزم مكافأةً لي على الظفر بهذه المهمة الجليلة. كنتُ حينها في السادسة والعشرين من عمري. وحدث يوماً أن خرجنا مع الأمير قزغن للصيد في ناحية قمار؛ وكان الصيد وفيراً حتى قضينا ليلتنا هناك. وكان طغلق تيمور، صهر الأمير قزغن، يضمر مؤامرة لقتل حميه والاستيلاء على العرش. فتواطأ مع زمرة من الأشرار، وفي تلك الليلة التي بتنا فيها بقمار، تسلل مع سبعة رجال شاهرين سيوفهم لاغتيال قزغن. ولم يكن بقربه آنذاك أحد سوى القناصين. فوثبتُ على صهوة جوادي وحملتُ على المعتدين، في حين اغتنم الأمير جنح الظلام واختبأ وراء صخرة عظيمة. ولما تعالت الجلبة، توافد سائر الصيادين، فما كان من طغلق تيمور، خشية القصاص من محاولة اغتيال الأمير قزغن، إلا أن لاذ بالفرار إلى جبال بلاد ما وراء النهر.
عرفاناً ببسائلي، وهبني الأمير قزغن قلعة شادمان. وبعد أن استتب لي الأمر في خوارزم وشادمان، جبيتُ أموالاً وفيرة وأجزلتُ العطاء لجنودي. ورغم إحساني العميم إلى رعيتي، لم تحظَ رغبتي في الاستقلال بالملك برضاهم. وفي تلك الأثناء، نقلت بعض النسوة الماكرات للأمير قزغن أن زوجة طغلق تيمور، وهي ابنة الأمير نفسه، قد ذهب عقلها حزناً على فرار زوجها. فانطلت هذه المكيدة البارعة على الأمير قزغن، فعفا عن طغلق تيمور ودعاه للرجوع في كتاب بعثه إليه. فأعربتُ للأمير قزغن عن رأيي في أنه لا ينبغي الركون لشورى النساء، بل اتباع ما توجبه الشريعة السمحاء؛ إذ نُقل عن النبي قوله: «شاوروهن وخالفوهن». فأقرني الأمير قزغن على رأيي، ومضيتُ في أثر طغلق تيمور عازماً على الانتقام منه.
بلغتُ السابعة والعشرين من عمري. وحدث يوماً أن استدعاني الأمير وأفصح لي عن عدم رضاه عن زوجته وعزمه على فراقها. غير أنه بعد أيام قلائل بدّل رأيه تماماً: فعدل عن طلاقها وأحسن عشرتها، واستدعى طغلق تيمور وتجاوز عن خطاياه. وفي الوقت ذاته، خلع الأمير ولاية أنديجان على محمد خواجة بعدما كانت تحت حكم ابنه عبد الله، مما أثار سخط خسرو بيانقولي الذي أسرع بمصادقة طغلق تيمور. وكان خسرو بيانقولي حماً لعبد الله، يعقد عظيم الآمال في نيل الحظوة والنفوذ باعتلاء صهره العرش. فلما تبددت أحلامه، عزم هو وطغلق تيمور على التخلص من الأمير قزغن عنوة. فبادرتُ بإعلام قزغن، إذ كنتُ له كالابن البار، فكتب الأمير وصية لصالحي لأكون سلطاناً على إقليم توران بعد وفاته.
وحدث يوماً أن عبر الأمير قزغن نهر جيحون للصيد أعزل برفقة نفر يسير من رجاله. فرأى طغلق تيمور وبيان قولي في ذلك سانحة مواتية لإنفاذ مكرهم؛ وتناسوا فضل الأمير الكريم وغدروا به رغم وشائج القربى، مضرجين بدماء براءته الأرض التي كانوا يصطادون فيها. فلما بلغني نبأ هذه الفاجعة، اعتصر الحزن قلبي، فهرعتُ إلى الموقع وحملتُ جثمان الأمير قزغن الشهيد ووريته الثرى عند ضفاف نهر جيحون. وبعد رحيل قزغن، أجلس طغلق تيمور وبيان قولي عبد الله والي خان على سرير الملك، وهو الذي كان الأمير قزغن قد منحه مرسوم الخانية في حياته؛ فأقرا به أول الأمر، ثم ما لبثا أن فتكا به غدراً في أطراف سمرقند. وكان عبد الله مجبولاً على البخل، بينما استبد الجشع بطغلق تيمور وبيان قولي، فلم يهنأ لهما بال مع الأمير الجديد. وسرعان ما خلعا عبد الله ونصبا مكانه تيمور شاه أوغلان، نجل يسور تيمور خان.
حشدا جموعاً غفيرة من الجند للقضاء على عبد الله المخلوع. وتمكنا من سحق قواته وإجباره على التماس النجاة بالفرار عبر نهر جيحون، حيث وافته منيته هناك. وكنتُ في ذلك الأوان قد ناهزتُ الثامنة والعشرين.
وإذ كنتُ أحمل وافر العرفان لروح الفقيد الأمير قزغن، الذي أجللته إجلالي لوالدي، فقد رأيتُ لزاماً عليّ وأداءً لواجبي المقدس أن أقتص من بيان قولي وطغلق تيمور جزاء ما اقترفت أيديهم بحقه.
وبعد أن حشدتُ جيشاً جراراً، زحفتُ نحو سمرقند. وفي طريقي، التقيتُ ببيان سلدور الذي انضم إليّ بجموعه وما تحت يده من عتاد. حتى بلغنا حدود الشاش. كما نجحتُ في استمالة الأمير برلاس للانضمام إلى مسيرتنا. وكان حاجي برلاس هو ابن بارلو، وحفيد تام الله، ومن سلالة سولكان وكاراجار نويان. وانطلقنا ثلاثتنا صوب سمرقند. وفي ذلك العهد، كان يبسط سلطانه على بلاد ما وراء النهر تيمور شاه، الذي ما كان ليرتقي العرش لولا مناصرة طغلق تيمور وبيان قولي له. وبعد معركة ضارية ملحمية، نجحنا في دحر تيمور شاه وطرده من سمرقند، واستولينا على ما وراء النهر استولينا عليها. نحن الثلاثة —أنا، وتيمور، والأمير حاجي برلاس، وبيان سلدوز— تحالفنا ودخلنا سمرقند بسلام، حتى مات بيان سلدوز وهو ثمل بالخمر. وعندما هلك بيان سلدوز، انتقلت حقوقه في السلطة ضمن حلفنا الثلاثي بالوراثة إلى ابنه؛ بيد أن الأمير حاجي برلاس راودته فكرة التخلص من هذا الحليف سراً، وشرع في اتخاذ التدابير لتحقيق ذلك. ولقد نصحته مراراً وتكراراً، لكن النصح لم يجدِ معه نفعاً، فواصل حبك دسائسه. وقد أفضت مساعي الأمير حاجي برلاس هذه إلى إثارة القلاقل والشقاق بين الرعية. كنتُ آنذاك في الثامنة والعشرين من عمري. وكان ذلك العام شحيحاً وقاسياً في المؤن كلها؛ ووجد الجيش وعامة الناس أن العيش بات عسيراً لا يُطاق، وسكان ما وراء النهر استبد بهم اليأس؛ فبعثوا إليّ جميعاً بعريضة يُعلنون فيها أن كافة الأهالي قد عزموا على هجر ديار توران وعدم الرجوع إليها حتى تؤول مقاليد الحكم في توران إلى حكومة عادلة. لقد هزني قرار الرعية هذا في الصميم؛ إذ كنت أتوق إلى أن أكون سلطاناً يحكمهم. إلا أن الإقدام على أي خطوة في هذا السبيل كان أمراً بالغ المشقة. في ذلك الحين، كان إلجي بوغا سلدوز خاناً على بلخ، والأمير بايزيد الجلايري يحكم ولاية خجندة، ومحمد خوجة حاكماً على شبرغان. وفي مدن كوهستان كان أمراء بدخشان هم أصحاب السيادة، وفي إقليم جيلان حتى موضع حضرة إمام كان الخان كاي خسرو هو المتصرف، بينما كان الأمير خضر يسوري يبسط نفوذه على ولاية سمرقند حتى سرشولي. وكان جميع هؤلاء الحكام سلاطين مطلقين في ديارهم كالملوك؛ ومن ثمّ كان انتزاع ملك من بين أيدي هؤلاء السلاطين الأقوياء بالاعتماد على البسالة وحدها أمراً مستحيلاً. ولما رأيتُ تعذر الظفر بالقوة السافرة، عقدتُ العزم على اللجوء إلى الحيلة. فكتبتُ إلى كل واحد من الحكام سراً على حدة وبمعزل عن الآخرين، مقترحاً على كل منهم الدخول في حلف معي لتوحيد قوانا ودحر سائر الحكام الآخرين، والاستئثار بالبلاد بأسرها. وفي منتهى الكتمان وافق كل واحد منهم على التحالف معي، فنجحتُ في تفريق شملهم وبث الفرقة بينهم. وكنتُ في ذلك الوقت قد بلغتُ التاسعة والعشرين من عمري.
بعثتُ بكتاب إلى إلجي بوغا سلدوز أعرض عليه أن أسير بجيش إلى تلك الديار لضمها، بعد أن رفع إليّ أهل بدخشان شكوى مما يقاسونه من جور خانهم وظلمه. وأنذرتُ إلجي بوغا سلدوز بأنه إن لم يبادر بنفسه إلى فتح بدخشان، فسأسير إليها بنفسي وأبسط سيادتي عليها. وبهذا الإنذار ختمتُ رسالتي. وسرعان ما تحرك إلجي بوغا سلدوز صوب بدخشان، وفي تلك الأثناء وردتني أنباء من سلاطين بدخشان الذين استنجدوا بي فور علمهم بالخطر المحدق بهم لحمايتهم من هجوم إلجي بوغا سلدوز، وتعهدوا بأن يمنحوني مكافأة لنصرتي إياهم مدن ختلان وأرهات وحضرة إمام، بعد انتزاعها من كاي خسرو الذي كانت تعود إليه. فضلاً عن ذلك، أبلغتُ محمد خوجة بأن مدينة بلخ، أم القرى، أضحت خالية من حاميتها، وأنني أرسلتُ نائبي إليها. وعرضتُ على محمد خوجة أن يرسل هو الآخر نائباً إلى بلخ لنتولى حكم المدينة معاً. وحرصاً من محمد خوجة على استباق أمري، سارع بالرحيل بنفسه إلى بلخ. وما لبث نبأ زحف محمد خوجة نحو بلخ أن بلغ مسامع إلجي بوغا سلدوز، فصرف الأخير نظره عن فكرة توسيع ملكه بضم بدخشان، وانطلق مسرعاً صوب قلعة شادمان وبلخ. وبفضل هذه المناورة، دان لي حكام بدخشان بالسمع والطاعة.
ولما بلغ إلجي بوغا سلدوز بلخ، لم يكتفِ بطرد محمد خوجة منها على الفور، بل أعلن الحرب عليه ليعاقبه على عزمه الاستيلاء على بلخ. وحينئذ قصدني محمد خوجة ملتمساً الغوث. فأنقذتُ شبرغان من غزو إلجي بوغا سلدوز ورددتها إلى محمد خوجة، وكسبتُ بهذا الصنيع حليفاً مخلصاً وصادق الولاء. وكنتُ في تلك المرحلة قد بلغتُ الثلاثين من عمري.
راودت الأمير حسين، حفيد الأمير قزغن، فكرة اعتلاء عرش أبيه، فجهز جيشاً ورجالاً من ذوي الولاء وانطلق صوب ما وراء النهر. وكتب إليّ رسالة يرجوني فيها مؤازرته في بلوغ مرامه. وكان الأمير حسين صهراً وقريباً لي، إذ كنتُ متزوجاً من أخته، ومن واقع تلك القرابة أذكيتُ في صدره الرغبة في فتح ما وراء النهر وإخضاعها. وكان مبعث خطئي هذا ظني أن مودة ذلك الرجل الخبيث كانت صادقة؛ ولم أكن أعلم أنه جمع في طباعه بين أربع خصال مهلكة: 1) الحسد، 2) البخل، 3) الجشع، 4) الكبرياء والغرور.
ولتدارك خطئي، بعثتُ إلى الأمير حسين أشير عليه بأن يبسط نفوذه أولاً على بدخشان، فهي المفتاح الحقيقي لتحقيق النصر.
وفي تلك السنة المباركة، وُلد ابني الأكبر. وإجلالاً لمقام النبي سميته محمداً، ولما كانت فتوحاتي العظمى قد استُهلت في ذلك العام، أضفتُ إلى اسم محمد لقب جهانكير (فاتح العالم). لقد جلبت ولادة ابني لي الخير واليمن: فلم أكسب في ذلك العام بلداناً عديدة فحسب، بل ظفرتُ أيضاً بحلفاء كثر؛ فباستثناء الأمير بايزيد الجلايري وحاجي برلاس، أضحى سائر الحكام حلفاء لي. أما هذان الخصمان، فكنت أضمر في نفسي التخلص منهما بالحيلة. وكان صهر حاجي برلاس يدبر للتخلص منه وتولية حفيده مكانه؛ ولما علم حاجي برلاس بنيّة صهره، بادر إلى إعدامه على عجل، واستشارني فيما إذا كان ينبغي له استئصال ذرية صهره المعدوم؛ فثنيته عن هذا القصد الآثم. وفي العام نفسه، استولى الأمير حسين على بدخشان وأقدم على إعدام ثلاثة من أمرائها دون أدنى مسوغ، وهي فظاعة لا ريب أنه سيلقى جزاءها في يوم الحساب العسير. وعندما فتحتُ بلخ، أم القرى، قام ورثة أولئك الأمراء المغدورين بقتل الأمير حسين ثأراً لآبائهم. وكنتُ حينها في الحادية والثلاثين من عمري. وكان تغلق تيمور، وهو حفيد لجنكيز خان، خاناً على بلاد جته؛ وقد عقد العزم على غزو ما وراء النهر، فأتى إلى أرض حك على ضفاف نهر سيحون على مقربة من خجندة، وحشد هناك عساكر جرارة. وأرسل تغلق رسائل إليّ وإلى حاجي برلاس والأمير بايزيد، تضمنت ما نصه من أمر لا يحتمل التردد: «أنا، تغلق تيمور خاقان (ملك الملوك)، ابن الخاقان، آمرك بالحضور إليّ مع كافة شعبك وجيشك». فلما تلقى حاجي برلاس هذا الأمر الصارم، تملكه الرعب ولجأ إليّ يسألني عما يجب عليه فعله.
¹بهادر — تعني كلمة «بهادر» في الأصل الشجاع أو المقدام، وترتبط لغوياً بالكلمة المغولية «باتار» (Baatar)، والتركية القديمة «باغاتور» (Baghatur)، والتركية الحديثة «بهادير» (Bahadır)، والروسية «بوغاتير» (богатырь أي 'بطل')، والمجرية «باتور» (bátor أي 'باسل').