Turkestan Travel
نصب أمير تيمور أمام أوقات قصر آق سراي التاريخية في شهر سبز، أوزبكستان.
👑 الشخصيات

مذكرات أمير تيمور – الجزء الثالث

مذكرات أمير تيمور – الجزء الثالث: توسع الإمبراطورية وإرث الفاتح. نصحتُه ألا يتشاجر مع الملك العظيم، بل أن يطيعه، …

مذكرات الأمير تيمور – الجزء 3: اتساع إمبراطورية وإرث فاتح

نصحته بألا ينازع الملك العظيم بل يطيعه، حتى ينال رضاه وحظوته بالطاعة والامتثال. لكن حاجي برلاس لم ينصت؛ فعبر النهر بجميع رجاله وأمواله وغادر خراسان. أما الأمير بايزيد فقد توجه مع رعاياه وهداياه إلى تغلق تيمور ليعلن خضوعه له. وبدأت أنا أيضاً بإعداد الهدايا لتقديمها إلى تغلق تيمور تعبيراً عن التواضع والولاء، ولكن في ذلك الوقت أصيب والدي، الأمير تراغاي، بمرض عضال، فلزمت فراشه أرعاه حتى وافته المنية. دفنت والدي في مقبرة كاشكات مزار، غير بعيد عن ضريح الولي الصالح. أرسل إليّ تغلق تيمور رسالة ثانية يدعوني فيها للحضور إليه، غير أن رجالي أعلنوا رفضهم لخضوعي لتغلق تيمور، مؤكدين أن البلاد تنعم في ظل حكمي بالأمن والسكينة التامة، ومن ثم فإنهم على أتم الاستعداد للدفاع عن الاستقلال بقوة السلاح. فأجبتهم على كل تلك الأقوال بأنه لا ينبغي، في نظري، إضمار أي نزاع أو ضغينة ضد تغلق تيمور، وأنه لا سبيل سوى طاعته طاعة مطلقة.

في ذلك الحين، بلغني أن جيش تغلق تيمور يزحف نحوي بقيادة خواجه محمود شاه. فسارعت بالخروج للقاء تغلق تيمور بموكب مهيب وجيش وهدايا لإظهار ولائي وطاعتي. وفي الطريق التقيت بمحمود شاه، فاستملته بالهدايا وأقنعته بعدم نهب البلاد، وحصلت منه على كتاب توصية إلى الخان. واصلت مسيري، وبعد يومين استقبلني قادة الطليعة؛ فأجزلت لهم العطايا وكففتهم عن السلب والنهب. وكان كبير الأمراء آنذاك كيجيك بك؛ فقدم لي هو الآخر رسالة إلى تغلق تيمور يرجوه فيها أن يشملني بعطفه ورعايته.

وفي السهوب القريبة من خجندة، قدمت هداياي إلى تغلق تيمور، فسرّ غاية السرور بإخلاصي وطاعتي. ولما أُبلغ بأن قادة طليعته قد غصبوا أموالاً كثيرة من أهالي بلاد ما وراء النهر، أصدر تغلق تيمور أمره بإعادة جميع الممتلكات المنهوبة إلى أصحابها على الفور. فاستاء القادة واستشاط الجميع غضباً، بما فيهم أمراء إقليم جته. وعندما علم تغلق تيمور بذلك، استشارني فيما يجب عليه فعله في مثل هذا الموقف، فنصحته بالانسحاب إلى ولاية جته التي قدم منها. استحسن تغلق تيمور هذه المشورة، وثبّت سلطتي على بلاد ما وراء النهر، ومنحني براءة أمان، ثم انطلق عائداً إلى إقليم جته. وجاء أعيان شهرسبز وشيوخها وعلماؤها وسادتها لاستقبالي عند وصولي، ودُعي لي بدعاء السلامة والتوفيق الذي لا يُقرأ إلا لأصحاب المهابة والملك. وكنت آنذاك في الثانية والثلاثين من عمري.

كان الأمير حسين، حفيد الأمير قازغان، قد فتح مدينة بدخشان بمعونتي. والآن استنجد بي الأمير حسين مجدداً لمساعدته في الهجوم على الأمير بيان سلدوز وانتزاع قلعة شادمان منه. فأجبته إلى طلبه وسيّرت قواتي بقيادة القائد العام الأمير خضر، ولحقت بالجيش بعد ذلك بقليل. فلما علم الأمير بيان سلدوز باقتراب جحافلي، استولى عليه الخوف وفرّ صوب بدخشان. فتعقبه الأمير خضر والأمير حسين حتى ألجآه إلى الاحتماء بالجبال. وهرب كثير من وجهاء بدخشان مع الأمير إلى الجبال، وبذلك فُتح الإقليم بأسره. وكنت مقيماً في قلعة شادمان حين تلقيت كتاباً من الأمير حسين يعلمني فيه أنه بفضل عوني تمكن من إخضاع بدخشان، وأنه بوسعي، إن رأيت ذلك مناسباً، العودة إلى عاصمتي. فسلمت قلعة شادمان لقائدي العام الأمير خضر وأكدت حيازته لها بوثيقة رسمية، وقفلت عائداً إلى شهرسبز. وبعد أربعة عشر يوماً قدم الأمير حسين حاملاً نفائس الهدايا؛ فاستقبلته بحفاوة بالغة وأذنت له بالمسير إلى قلعة شادمان، بينما آثرت البقاء في شهرسبز.

بلغت آنذاك الثالثة والثلاثين من عمري. ومع مطلع العام، وصل رسول من الأمير حسين يحمل نبأً فائق الأهمية؛ حيث أخبرني بحاجته الماسة إلى عوني مجدداً، إذ إن الأمير تغلق تيمور قد تحالف مع بيان سلدوز وزحف نحوه بجيش عرمرم لا قِبل لأحد بمواجهته. ورغبة مني في إنقاذ الأمير حسين من الهلاك، تحركت تواً بجيش من شهرسبز، وبعثت في الوقت ذاته برسائل إلى الأمير خضر والأمير بايزيد أحثهما فيها على المسارعة لنجدة الأمير حسين. فتردد الأمير بايزيد، بينما لبى الأمير خضر النداء فور تلقيه رسالتي. ولما اقتربت بجيشي من بدخشان، ولى الأمير تغلق تيمور وبيان سلدوز الأدبار هاربين. وخرج الأمير حسين لاستقبالي بفيض من المودة ومظاهر التبجيل. وبعد أن رددت ملك بدخشان إلى الأمير حسين، عدت ثانية إلى شهرسبز.

وحين بلغت مضيق الباب الحديدي، علمت أن الأمير حاجي برلاس والأمير بايزيد قد تبادلا الرسل وعقدا حلفاً للغدر بي واغتيالي. وكل هذا يصدر من الأمير حاجي برلاس، وهو من ذوي قرباي!

كتبت إليه رسالة أذكّره فيها بصلة الرحم وبما أسديته إليه من صنائع ومعروف، بيد أن الأمير حاجي برلاس لم يعر رسالتي أي اهتمام. عندئذ سرت بجيشي للاتحاد مع الأمير حسين، لكن الأمير حاجي برلاس قطع عليّ الطريق وتصدى لي في معركة بمنطقة آق قبا جغطاي. قسمت جيشي إلى سبعة ألوية، عازماً على خوض القتال كل يوم بسبع قواتي فقط. فوضعت الأمير خضر مع نخبة من البهادرين في الميمنة، بينما شكل الأمير جاغو برلاس وجيشه ميسرتي. أما الجيوش التي صحبتني من شهرسبز فقسمتها إلى أربعة أرتال. وكنت أقود العمليات بنفسي، فأدفع كل يوم بأحد هذه الأرتال إلى المعركة. وفي اليوم الرابع، مستلهماً البركة من دعوات علمائنا وسادتنا، ابتهلت إلى الله طلباً للنصر وشننت هجوماً مباغتاً على معسكر الأعداء ليلاً والجميع نيام. استمرت المعركة طوال الليل، وما إن انبلج الصباح حتى لاح النصر حليفي دون منازع، فتشتتت جموع العدو وفرّ الأمير حاجي برلاس ملتجئاً إلى حماية الأمير بايزيد جلائر قاصداً سمرقند. وبعد أن أصلحت العتاد الحربي وحشدت الجيوش وقدمت الأمير خضر في الطليعة، اقتفيت أثر حاجي برلاس متوجهاً شطر سمرقند. وفي ذلك الوقت، انشق فصيل من جندي وانحاز إلى جانب حاجي برلاس. ثم ما لبث الأمير خضر، الذي كنت أثق به أكثر من خاصتي، أن استسلم لوساوس الشيطان وتواطأ مع الأمير جاغو برلاس، فخاناني كلاهما مع ما تحت إمرتهما من جند وانضما إلى حاجي برلاس. وتآمر هؤلاء الخونة لقتالي، واستنجدوا بالأمير بايزيد لمعاونتهم، غير أنهم لما اجتمعوا به توجسوا منه خيفة وهربوا. فبعثت إلى الأمير خضر برسالة أدعوه فيها إلى الصلح، فاستكبر وأبى. عندئذ جهزت عسكري وزحفت لحرب الأمير خضر. وكان هذا الخائن قد تحصن بجيشه في موضع 'سر دين' متأهباً لمنازلتي. فدفعت بالراية إلى جند شهرسبز وزججت بهم في أتون المعركة، بينما رابطت أنا خلف صفوف القتال في قوات الاحتياط بصحبة مقربي البهادرين. فلما رأى الأمير خضر رايتي مع الجند، انطلت عليه الحيلة وظن أنني أقود الطليعة بنفسي. فكنا نكرّ عليهم تارة ويكرون علينا تارة أخرى، وتوالت الجولات حتى نال الإعياء من الطرفين. وحينئذ انتهزت اللحظة السانحة وانقضضت بصفوة فرساني وبهادريني على قلب العدو، فسحقت جموعهم بضربة حاسمة.

عقب ذلك، تبادل الأمير بايزيد وحاجي برلاس الكتب، وقررا أنه لن يطيب لهما عيش ما دمت حياً على وجه الأرض، فعزما على الفتك بي مكراً وخديعة. وبعد أيام قلائل من انقضاء الحرب مع الأمير خضر، زحف الأمير بايزيد من سمرقند وعسكر في السهوب القريبة من شاش. فكتب إليّ الأمير حاجي برلاس باتفاق مع الأمير بايزيد رسالة هذا فحواها:

«نحن، أولياء أولياء الأمير العظيم وأعداء أعدائه، قد أجمعنا أمرنا على فتح خجندة. فإن كنت تثق بمودتنا وإخلاصنا فانضم إلينا، ففي ذلك خير ومصلحة للجميع». وكان مكرهم يرمي إلى استدراجي لأقع في قبضتهم فيغتالوني. ولأني مؤمن سليم الطوية، صدقت كلامهم وسرت بجيش للالتحاق بهم. ولما شارفت على معسكرهم، رأيت في وسط المخيم — المؤلف من خيام اللبد والأكواخ — سرادقاً فخماً قد نُصب، فخلته مجلساً أُعد لإكرامي. فاستُقبلت بإجلال وحفاوة ودُعيت للدخول إلى ذلك السرادق العظيم. وبفضل من الله وتوفيقه، استشعرت مكر أعدائي وسوء طويتهم: فما إن خطوت إلى داخل السرادق حتى رأيت الأمير بايزيد عن يميني والأمير حاجي برلاس عن شمالي، فأدركت على الفور أنهما دبّرا أمراً للغدر بي فور الانتهاء من مراسم الضيافة وتناول الطعام. فتوجست خيفة من الهلاك المحدق بي، وابتهلت إلى العلي القدير أن ينجيني من براثن الموت. ومن حسن طالعي أن رعف أنفي في تلك اللحظة بالذات، فلم أتردد في اغتنام الفرصة للخروج من الخيمة. وهناك همست لجندي على عجل بأن حياتي في خطر، ووثبت بخفة فوق صهوة جوادي. فما جرؤ أحد على اعتراضي. وهكذا عصمني الله من موت محقق. فدعوت بالثبور على رؤوس أعدائي، وانحزت بجيشي متراجعاً نحو ترمذ. ولما اقتربت من ترمذ، أصاب الذعر الشيخ علي جار جاري — الذي كان قد نال سدة الحكم بفضل معونتي — ظناً منه أنني قادم لحربه، فشرع بدوره في حشد الجيوش لصد هجومي. فكتبت إليه كتاباً أذكره فيه بسوابق إحساني إليه وأنصحه بعدم التمرد عليّ، ولو من باب رد الجميل. فلم يعرني الشيخ علي جار جاري سمعاً، ونجح في جمع جحافل تفوق عدد جندي واغتر بقوته وبأسه، متناسياً قول الحق تبارك وتعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾.

اصطف الشيخ علي جار جاري بجيوشه في صف واحد وبدأ القتال، بينما عبأت جنودي في ثلاث فرق وزحفت بهم لملاقاته. وما هي إلا هجمة أولى حتى ولت جيوش الشيخ علي جار جاري هاربة مذعورة. وتقول الأتراك في أمثالها: «تكفي ألفَ غرابٍ حصاةٌ واحدة»، وقد صدق هذا المثل تمام الصدق في هذه الواقعة. فرّ الشيخ علي جار جاري أولاً إلى الأمير بايزيد، لكنه لم يأمن البقاء هناك، فعاد إليّ خازياً ذليلاً يرجو العفو معلناً خضوعه المطلق. وضرباً لأروع أمثلة الشهامة والصفح، عفوت عن زلته وأغدقت عليه بالهدايا السنية كأن لم يكن بيننا أي خلاف قط.

كنت آنذاك في الرابعة والثلاثين من عمري. فوفد إليّ أعيان ما وراء النهر ورجالاتها يشكون مر الشكوى من أن أهل المدن والقرى في سائر أرجاء الإقليم يقاسون الويلات من ظلم وجور الحكام الذين تسلطوا عليهم. وقالوا: «إنه لمن المحتم أن يغدو الأمير العظيم، بفضل نبل شيمته وبسالته، الحاكم الأوحد وصاحب السيادة المطلقة على هذه البلاد». فهزت مناشدة الرعية وجداني، فأوفدت رسولاً إلى الأمير حسين أدعوه للمشاركة في تحرير ما وراء النهر من حكامها الطغاة. وأوضحت له أننا إن وفقنا في رفع الظلم عن كاهل الناس من أيدي هؤلاء الجبابرة، حزنا الذكر الجميل والمجد الخالد في الدنيا والآخرة.

وافق الأمير حسين ظاهرياً، غير أني استشعرت منه الخبث وعدم الإخلاص. وتوجساً من خيانته، بعثت بكتاب إلى تغلق تيمور، سليل جنكيز خان. بسطت له فيه ما آلت إليه ولاية ما وراء النهر من بؤس وشقاء، وما يعانيه أهلها تحت وطأة حكام جائرين، وخلصت إلى أنه إن نهض بجيشه وأعاد نصاب العدل والنظام إلى ربوع ما وراء النهر، فإنه سيسطر بذلك مأثرة تاريخية مجيدة. فلما بلغ تغلق تيمور كتابي، استنفر جيش جته وعسكر به على مقربة من خجندة، وبعث إليّ من هناك برسالة يذكرني فيها بوشائج القربى ويطلب مني الحضور إليه لأسدي له النصح والمشورة.

ورغبة من الأمير بايزيد في إظهار تمام خضوعه للأمير تغلق تيمور واستعداده لخدمته، أغلق أبواب سمرقند وسار نحو تغلق تيمور. فطالبه تغلق تيمور بتسليم مفاتيح سمرقند، ولما رأى منه تردداً وتلكؤاً في تلبية أمره، أصدر حكماً بقتل بايزيد وحمل رأسه إلى سمرقندبإرسالها. وعندما بلغ الأمير حاجي برلاس ما حل بالأمير بايزيد من نكبة، خشي أن يصيبه مصير مماثل، ففر على عجل مع أهله وقومه عابرين نهر جيحون. ولما علم الأمير تغلق تيمور بهروب حاجي برلاس، أرسل في أثره قوة عسكرية؛ فقُتل أحد أتباع حاجي برلاس، وهو جوام برلاس بهادر، بينما تمكنت البقية من بلوغ مدينة هرشة جوش بأمان. وهناك، أظهر الغرباء عداءً سافراً لأهل المدينة، وبمرور الوقت تفاقم حقد سكان هرشة جوش على القادمين مع حاجي برلاس حتى نشبت معركة دامية أودت بحياة حاجي برلاس وعدد من ذويه. أما الناجون فاستقروا في المدينة وانصهروا بين سكانها. ولاحقاً، حين بسطتُ سيطرتي على خراسان، أقطعتُ هرشة جوش لأعقاب حاجي برلاس.

أرسل إليّ تغلق تيمور كتاباً ثانياً يناشدني فيه، بحكم قرابتنا، أن أقدم إليه على وجه السرعة. فبعثتُ الرسل إلى شتى النواحي، ودعوتُ كل من رغب في النجاة من نهب جيش جَتة وبطشه. وأوفدت إليّ قبائل شتى هداياها، وبعد أن جمعتُ ذلك كله توجهتُ للقاء تغلق تيمور في خجندة. وهناك قدمتُ له ما حملتُه من عطايا، فاستبشر بها وسُر غاية السرور وأفاض عليّ من عطفه ومودته. وكان في سائر الأمور يستشيرني ولا يخالف لي رأياً. ومما قلته له يوماً: إن أمر الملك أشبه بخباءٍ رُفِع سقفُه على عماد؛ وإن عدل السلطان هو الأساس الذي لا قيام للحكم الرشيد إلا به، ومن دونه يستحيل تدبير الملك. وأشرتُ عليه في ما وراء النهر أن نأخذ بكل قوة بيد الصالحين ونعضدهم، وأن نكل الأشرار إلى شأنهم ليذوقوا وبال بغيهم. فكان شكره لي على هذا الرأي جزيلاً، ونلتُ لديه حظوةً عظيمة. وعلى إثر ذلك قلدني تغلق تيمور حكم ما وراء النهر وشهرسبز وشبرغان حتى حدود بلخ.

وفي تلك الأثناء وردت أنباء مباغتة بأن الأمير حسين قد عسكر بجيش جرار على ضفاف نهر فخش عازماً على منازلة تغلق تيمور. فلما تناهت إلى مسامع تغلق تيمور جرأة الأمير حسين، اعترته الدهشة لجسارته واسترشد برأيي في الأمر. فأجبته بأنه ما دام جيش الأمير حسين تحت لواء قائده الأعلى كاي خسرو جيلان، فإنه ينبغي توجيه كتاب إلى هذا القائد لاستمالته إلى نقض ولائه للأمير حسين، ووعده بمنحه قلعتي شادمان وختلان جزاء وفاقه. فكُتِب إلى كاي خسرو كتابٌ بهذا الفحوى؛ فأغراه هذا العرض السخي، وما إن تراءت طليعة تغلق تيمور بقيادة مير كوجك بك مع طليعة الأمير حسين بقيادة كاي خسرو، حتى انحاز الأخير برجاله إلى معسكر تغلق تيمور؛ فدب الرعب في قلوب عسكر الأمير حسين وتفرقوا شذر مذر. وطاردت عساكر تغلق تيمور فلول العدو المهزوم حتى مشارف الجبال الهندية، وغنمت منهم أموالاً وأسلاباً لا حصر لها.

وبعد أن فرغ من أمر جيش حسين، زحف الأمير تغلق تيمور نحو سمرقند وقضى هناك على بيان سلدوز. وأقام العدل في حواضر ما وراء النهر وطهرها من أهل الفساد. وحينئذ خطر لي أن أشير على تغلق تيمور بمغادرة هذه البلاد وإقرار سلطاني هاهنا في ما وراء النهر؛ فقلت له إن الوقت مواتٍ للاستيلاء على خراسان، وما عليه إلا عبور نهر جيحون ليتيسر له فتحها بيسر وسهولة.

وكان تغلق تيمور ميالاً للأخذ بمشورتي، غير أنه سرعان ما ذاع نبأ تمرد أمراء جَتة وتنصيبهم طملق خان، سليل جنكيز خان، على عرشهم. فاستفتاني تغلق تيمور فيما ينبغي فعله، فأشرتُ عليه بالمبادرة بإرسال جيش إلى جَتة لقطع الطريق على الخان الجديد قبل أن يستتب له الأمر، مؤكداً له أن الحزم في هذه اللحظة كفيل بإخضاع أهل جَتة، بينما التواني سيجعل من إنفاذ الأمر عسيراً. فأخذ بنصيحتي وخلع على ابنه إلياس خواجه لقب خان ما وراء النهر، وجعلني في المرتبة الأولى من بعده. وأطلعني حينها على لوح من الفولاذ نُقِش عليه العهد القديم بين أسلافنا قاجولي بهادر وقابل خان، والذي يقضي بأن تكون قيادة الجيوش وراثية في نسل الأول بينما يؤول منصب الخان من الوالد لولده. وبعدما أمر الأمراء بالنزول على طاعتي، شخص تغلق تيمور بنفسه لقتال المتمردين.

ولما كان إلياس خواجه غراً لم يمارس الحكم من قبل وفاقداً لخبرة الإدارة، أطلق الجند والأمراء العنان للظلم والجور؛ حتى إنهم انتزعوا عنوة أربعمائة فتاة من سمرقند، ولم يقف عسفهم عند هذا الحد، بل بلغت بهم الوقاحة أن قيدوا سبعين من السادة الأشراف من ذرية النبي وأودعوهم السجن. فتداعى المحبون لرسول الله وهم يلهجون بالشهادتين في جمع غفير، وقصدوني مستصرخين لإنقاذ هؤلاء الأبرياء من الأسر. «في مثل هذا الخطب يغدو الإقدام عقل الرشيد، وبذل الروح هو ينبوع البقاء». ألهبت تلك الكلمات حماسي حتى أعلنتُ الحرب للتو ودون مشاورة أحد، فبادرت أولاً إلى تخليص السادة السبعين من أيدي الأوزبك. وفي الليلة التالية رأيتُ النبي في المنام وهو يقول لي: «لقد فرجتَ عن سبعين من ذريتي، وسيلقى صنيعك هذا جزاءً: سيُجري الله على يديك معجزةً، ويملك من عقِبك سبعون بطناً». فلما استيقظتُ كتبتُ إلى شيخي وبيري² أستفتيه في تأويل الرؤيا، فأجابني: «لقد نجى سبكتكين في سالف الدهر ظبياً من الهلاك، فآتاه الله جزاء ذلك الملك في عقبه؛ فكيف بك وقد أسديتَ لأهل بيت النبي هذه اليد البيضاء؟ إن رؤياك لواقعة لا محالة. واعلم أن كل مجمع يخلو من حضور آل بيت النبي لن يُكتب له التوفيق». ومنذ ذلك الحين ما عقدتُ مجلساً إلا وبدأتُ بدعوة السادة والعلماء. وإثر إطلاق سراح السادة بأمري، كتب خصومي إلى تغلق تيمور يزعمون أنني استبددتُ بما وراء النهر وانتقصتُ من قدره، وافتروا عليّ بأنني أدبر مؤامرة لاغتيال ابنه إلياس خواجه. فصدق تغلق تيمور تلك الوشاية وأمر حاملي الرسالة بقتلي. ولحسن الطالع وقعت تلك الرسالة في يدي، فاستعددتُ للخطر المحدق وتوشحتُ بالحذر في سائر أمري. ثم وردت على أمير جَتة ثلاثة أوامر أخرى تؤكد أمر تغلق تيمور بإهلاكي، غير أن القتلة ترددوا في كيفية التنفيذ وتربصوا. وفي تلك الأثناء تلقيتُ رسالة من بيري يشير فيها إلى أنه متى استحال قهر العدو المتفوق بالعتاد والعدد، وجب التماس النجاة في الهجرة، اقتداءً بسنة النبي المصطفى. وتطبيقاً لإرشاد مرشدي الروحي، انتحيتُ عن سمرقند متوارياً في ثنايا الجبال. وحينئذ فتحتُ المصحف الشريف مستشرفاً ما خُبئ لي، فخرجت لي هذه الآية الكريمة: «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (يس: 38). لم أكن أعلم أي مستقر ينتظرني، حتى جاءتني من البير رسالة أخرى ينصحني فيها بالتوجه إلى خوارزم، فبادرتُ لامتثال نصحه على الفور.

وكان الأمير حسين يختبئ في الجبال مثلي، فدعاني إلى التصالح وجمع الكلمة، فقبلتُ دعوته عن طيب خاطر. والتقينا في ساجيك كودوك حيث تصالحنا وعقدنا بيننا حلفاً وثيقاً. وعرضتُ على طغرل بهادر، حاكم مقاطعة هيواك، أن ينضم إلى حلفنا، فأبى بل وأمر بأسرنا برّاً بيمينه لإلياس خواجه، غير أننا تسللنا في غسق الدجى متجاوزين حدود هيواك. ومضينا، باتفاق مع الأمير حسين، مسرعين نحو خوارزم. ولما بلغنا فاراب كنا نتفاوض في كيفية الاستيلاء على قلعة خوارزم شاه، وإذا بأسماعنا تلتقط جلباً وجلبةً تشي بزحف جيش قادم من البرية نحو معسكرنا؛ وكان قرع حوافر الخيل وصليل السلاح ينبئان بذلك جلياً. فوثبتُ إلى صهوة جوادي واعتليتُ الرابية، ووجهتُ الأمير تاغ بوغاي برلاس ليستطلع جلية الأمر. فعاد إليّ سريعاً بنبأ زحف الأمير طغرل بهادر في ألف فارس. فأمرتُ الأمير خضر أن يجمع ما لدينا من جند في مكان واحد، فإذا بعديدنا لا يتجاوز ستين مقاتلاً! فقسمتُ هذه الثلة القليلة إلى خمسة أفواج، وأقمتُ على كل فوج قائداً: فأمسك بالزمام الأمير حسين، وتاغا بوغاي، والأمير سيف الدين، ودائمجي، وصادر؛ بينما وقفتُ أنا على ذروة الجبل برفقة صفوة البهادرية. وفي تلك اللحظة انقض الأمير طغرل بهادر بألف فارس. وكان الأميران تاغا بوغاي برلاس وسيف الدين بطلين باسلين؛ إذ حملا على جيش طغرل بهادر حملة صادقة حتى لم يبقَ من فرسانه الألف سوى ثلاثمائة رجل، بينما خر الباقون صرعى وجرحى. وفي خضم الوطيس عُقِر فرسا سيف الدين وتاغا بوغاي واضطرا للقتال راجلين؛ فأرسلتُ لهما فرسين، ولما كان الرسول بلا دابة نزلتُ عن فرسي وآثرته بها. وركب الأمير حسين جواد طغرل بهادر وانقض على عسكره، فرأيتُه بعد قليل وقد أحاط به الأعداء من كل صوب وأشرف على الهلاك، فبادرتُ بسيفي وضربتُ فيهم حتى أنقذتُ حسيناً بعد أن قتلتُ عدداً من الشجعان. وحان وقت صلاة العصر، فوقف البهادرية من الجانبين يؤدون الصلاة؛ وما إن انقضت الصلاة حتى ارتفع صياح الأعداء مجدداً مستأنفين هجومهم. فكررتُ مع الأمير حسين عليهم وأوقعنا فيهم قتلاً وجرحاً. فعُقِر جواد حسين، فاضطر لركوب فرس زوجة دلشاد آغا، وأردفتُ أنا المرأة خلف زوجتي، أخت الأمير حسين.

ثم تقدمتُ أنا والأمير حسين معاً نلوح بمقاليعنا، فحصدنا منهم خلقاً كثيراً.

ووقف طغرل بهادر المذعور حائراً في البادية، في حين واصلنا طريقنا. وكانت خسائر المعركة فادحة للطرفين: فلم يبقَ معنا سوى سبعة رجال على قيد الحياة، بينما بقي لطغرل بهادر خمسون.

وفي طريقنا لحق بنا فرسان طغرل بهادر الخمسون الناجون، فمضينا نتقدم تحت وابل رميهم والعدو يتعقبنا من الخلف. واصلنا السير ببطء حتى بلغنا خوارزم، وهناك كف الأعداء عن ملاحقتنا وتواروا. وسرعان ما عثرنا في طريقنا على بئر ماء، وابتعنا كبشين من أحد الرعاة فجددنا زادنا. ثم حططنا الرحال في موضع للاستراحة مدة يومين، وهناك دهمتنا نازلة: فقد كان ثلاثة من عابري السبيل قد التحقوا بركبنا الصغير، فغدروا بنا وسرقوا ثلاثة من خيولنا عند إحدى المحطات. وكان هذا الفقد فادحاً ومريراً عليّ، إذ اضطرت زوجتي وأختي إلى مواصلة الدرب سيراً على الأقدام. وبعد اجتياز عدة مسالك بلغنا ديار التركمان، وفي بقعة مقفرة باغتنا جمعٌ منهم ظنوا أننا لصوص. فلما وجدنا أنفسنا محاطين بخصم يفوقنا قوة، جعلنا النسوة وراء ظهورنا وأحكمنا السلاح دفاعاً عن أنفسنا. ومن حسن الطالع أن كان بين التركمان رجل يُدعى سيد محمد حاجي، كان قد نشأ في كنفي وخدمني في مقتبل عمري؛ فكان سبباً لنجاتنا من موت محقق. إذ عرفني وانكب على قدمي يلثمهما مستغفراً عن سوء الفهم الذي أوقعه جهلهم. وبيّن لرفاقه أنهم بإزاء الأمير تيمور، سلطان ما وراء النهر؛ فرغب التركمان في التكفير عن زلتهم وأكرمونا بالطعام لثلاثة أيام، وبعثوا معنا عشرة خفراء، فواصلنا المسير. وبعد ثلاثة أيام انتهينا إلى موضع محمود فأقمنا به أياماً رجاء أن يلحق بنا المتخلفون من أصحابنا. وفي غضون ذلك علم أمير التركمان علي بك جانا قربان بدخولي بلادهم بالمسلحين ونزولي بناحية محمود. فشن علينا التركمان بأمره غارة ليلية، وشدوا وثاقنا وحملونا إلى علي بك. فلم يرَ علي بك داعياً حتى لمساءلتنا، بل بادر بإلقائنا في غياهب السجن. فقضيتُ أنا وزوجتي — وهي أخت الأمير حسين — خمسين يوماً طوالاً ملؤها العذاب والضنك في ذلك المحبس.

وفي السجن رسخ عزمي وعاهدتُ الله مخلصاً ألا أسجن أحداً أبداً دون أن أتبين أمره وأجلي حقيقته. وفي حمأة تلك المحنة أجمعتُ أمري على أن خلاصي يكمن في كسر قيود الأسر ومنازلة الخصوم بضربة جريئة مباغتة؛ فإن ظفرتُ بلغتُ مأربي، وإن هلكتُ قُتِلتُ ودُفِنتُ وراء أسوار السجن؛ وبعبارة أخرى، كان لابد لي من الخروج من هذا القيد البغيض إلى رحاب نور الله. وببذل الوعد بمكافأة جزيلة لمن يعينني على الخلاص، استملتُ بعض السجانين، فأمدوني بسيف؛ فهجمتُ والسلاح بيدي على الحراس الذين راموا صَدّي وبددتُ شملهم. وارتفعت الصرخات من حولي: «اهرب، اهرب!»، فأنفتُ نفسي من الفرار خفية. فتوجهتُ للتو إلى علي بك جانا قربان، ولما رأى ما كابدته واجتزته من أهوال للخروج من سجنه، بهره إقدامي واستشعر الحياء من صنيعه. وفي تلك اللحظة بالذات تلقى علي بك رسالة من أخيه محمد بك جانا قربان يقول فيها: «لقد أسأتَ إلى الأمير تيمور وعاملته بظلم وتجرأتَ عليه بإهانة جسيمة. وإني باعثٌ للأمير بتحف وهدايا فاخرة، فأرجو أن تؤديها إليه، وأنصحك أن تسأله العفو والصفح تكفيراً عن ذنبك، وأن تحمله على جوادك وتطلقه مكرماً». فأنفذ علي بك ما أمره به أخوه محمد بك حرفياً، وانطلقتُ من هناك بحمد الله في موكب من اثني عشر فارساً متوجهاً صوب بادية خوارزم.

وبعد مسيرة اثني عشر يوماً ترجلتُ للاستراحة. وكان التركمان يجوبون تلك النواحي، فظنونا لصوصاً وكروا علينا؛ فقاتلتُهم لتفريق جمعهم، وكان في عداد التركمان هذه المرة أيضاً رجل يُدعى أحمد، كان ممن خدموني في أيام دولتي وتفيأ ظلال إنعامي. فهب أحمد لنجدتي؛ وسعى بالصلح بيني وبين قومه، فانضم إليّ خمسون مقاتلاً من فرسانهم. وفي الوقت نفسه وافاني مبارك شاه يوزباشي بجمع وافر من الجند والهدايا، وقدم عليّ من خراسان مئتا فارس وكتيبة من أشجع المقاتلين.

¹بهادر – كلمة بهادر تعني في أصلها البطل أو الشجاع الصنديد، وهي وثيقة الصلة لغوياً بالكلمة المغولية «باتار»، والتركية «بغاتور» و«بهادير»، والروسية «بوغاتير» (богатырь أي بطل الملاحم)، والمجرية «باتور» (تعني المقدام).

²البير – البير (Pīr) قد يكون مؤسس طريقة صوفية يُنظر إليه بعد وفاته كوليّ حميد. وهذا اللقب الفارسي يطابق في العربية لفظ «الشيخ» وفي التركية لفظ «بابا». وتتفاوت التقاليد الإقليمية بين مطابقة لفظي «البير» و«المرشد» (مربي المريدين) أو التفريق بينهما؛ ففي باكستان مثلاً يُميَّز بين المرشد كمعلم روحي والبير كوليّ يُتبرك به. ومن المرادفات الشائعة للبير لفظ «الولي».