Turkestan Travel
تمثال أمير تيمور أمام أنقرة قصر آق سراي التاريخية في شهرسبز، أوزبكستان.
👑 الشخصيات

مذكرات أمير تيمور – الجزء الرابع

في ذلك الوقت، أدرك أمير خوارزم، حسين، وأمير سيبزيفار، ضياء الدين، أن المكان الذي كنا فيه لم يكن ملائمًا. وبسبب النبوءة …

في ذلك الحين، رأى أمير خوارزم حسين وأمير سبزوار ضياء الدين أن المقام الذي نحن فيه لم يعد ملائماً. وبدافع من نبوءة طالعي وبشائر قدري، استبد بي الأمل في فتح بلاد ما وراء النهر؛ فعزمت على إرسال مئتي فارس إلى كش على الفور، وقررت أن أمضي بنفسي إلى قومي لأجمع جيشاً جراراً. بعثت بالفرسان المئتين من بخارى إلى كش، وارتديت مسوح درويش جوال، «قلندر»، وانطلقت نحو عشيرتي. وما إن نمى خبر وصولي إلى كورج تيمورغار، أحد أخلص أتباعي، حتى وافاني على عجل بصحبة أربعين رجلاً. وبعد أن أطلعته على خططي ومقاصدي، أرسلته ورجاله إلى كش، وأمرت تيمورغار أن يلحق بي دون إبطاء فور بلوغه نبأ استيلائي على سمرقند. تبعني ألف رجل من خيرة قومي، فانسللت بهم تحت جنح الظلام إلى سمرقند، ولجأت إلى دار شقيقتي توركان آغا. مكثت في خدرها ثمانية وأربعين يوماً لا أبرحه، حيث تشاورت سراً مع أعيان الرجال، واغتنمت الوقت للتزود بالعتاد والسلاح. وبينما كنا نتأهب للزحف لمنازلة جيش الجتة، علمنا أن أهل سمرقند فطنوا لوجودنا بين أسوارهم. وإذ رأيت أن البقاء في مثل هذه الحال محفوف بالردى، غادرت المدينة قاصداً ضواحي كوش واستقررت بها، غير أن المقام لم يطل بي؛ فاصطفيت خمسين فارساً وتوجهت بهم نحو خوارزم.

وفي مسيرنا اعترضتنا خيل ترعى، ولما تبيّن أنها تعود لرجال من قومي، تراضينا مع رعاتها بيسر على أن ينزلوا عنها، فقسمتها بين فرسان مفرزتي. واصلنا السير وعبرنا مياه نهر جيحون (آمو داريا)، ومكثنا شهراً كاملاً في ديار آخيغي نقتات على ما نظفر به من صيد.

وفي تلك الآونة، انضم إلى لوائي مبارك شاه من سنجار، والسيد حسين من خراسان، وضياء الدين من سبزوار، فاجتمع لي زهاء ألف فارس. وبموجب عهد وثيق، اقتربنا ليلاً من قندهار كاريبيز، فأوفدت رسولاً محملاً بوعود جزيلة إلى حاكمها مير ماغدا لحثه على تسليم المدينة سلماً. خرج مير ماغدا من المدينة مصحوباً بخلصائه للقائي؛ فاستقبلته بحفاوة بالغة وأفضت عليه بالخلع والهدايا وأقمت له مأدبة عامرة، فانصرف راضياً مطمئناً.

وفي تلك الليلة، وبمشيئة العلي القدير، دانت لي المدينة وخضعت لأمري. وبعد هنيهة، قدم الأمير حسين ملتمساً الصفح والعفو في مسكنة وذلة، فشاطرته خراج كاريبيز مناصفة دون غبن. أقمت في كاريبيز ردحاً من الزمن، حتى فاجأتني وفادة من لدن حاكم سيستان محملة بالنفائس، ترجوني عقد حلف مؤزر معه ومعونته في حروبه. وكنت أتربص فرصة مواتية لانتزاع ولاية قندهار من أيدي الأويغور، وقد بلغت حينها الخامسة والثلاثين من عمري. وفي غضون ذلك، انكسر حاكم سيستان في نزاعه مع جيرانه وهجر دياره هارباً، واستنجد بي كتابةً مقدماً بعض قلاعه عطية لي. تداولت الرأي في التو مع الأمير حسين، فأشار عليّ بتسييره على رأس جيش لنجدة سيستان، فأجبته إلى طلبه. وفي اليوم التالي، وردني كتاب من حسين يخطرني فيه بأن بهرام جلاير قد شق عصا الطاعة عليه، وأنه لا مطمع في بلوغ غايتنا ما لم أدركه بجيشي. التحقت بالأمير حسين على الفور حتى شارفنا إقليم سيستان؛ وهناك أقبل أمير سيستان ملك محمود وأهدى إليّ نفائس الأموال وأحاطني بفيض من كرم الضيافة وحرارة الود، قاطعاً على نفسه عهداً مغلظاً بأن يظل على ولائه وطاعتي ما امتد به الأجل. وإذ لمست صدق نيته وعظيم إخلاصه، عزمت على نصرته. وكانت سبع قلاع لملك محمود قد سقطت في قبضة أعدائه، فباغتُّ إحداها بهجوم ليلي صاعق، وشننت الغارة من جهاتها الأربع دفعة واحدة، فتمكنت من فتحها بعد ملحمة مستميتة دامت أربعاً وعشرين ساعة، وغنمنا ما كان فيها من غلال مدخرة. عمد الأمير حسين إلى اقتسام غنائم الفتح بين خاصته كما حلا له ودون استئماري؛ فغضضت الطرف عن صنيعه ترفعاً. عينت قائداً للقلعة المفتوحة ويممت شطر قلعة ثانية، فبرزت حاميتها وسكانها من وراء الأسوار مستبسلين في المقاومة، مما كلف جندي عناءً شديداً لردعهم إلى داخلها. وما لبثت كتائبي أن تسلقت الروابي والأسوار بسرعة خاطفة، فأدرك المحاصرون سوء مآلهم واستسلموا وهم يضجون بهتاف: «الأمان، الأمان!». وللمرة الثانية، وخلافاً للياقة، قسّم الأمير حسين ما غنمناه من القلعة الثانية بين أتباعه دون إذن مني؛ فتنازلت وعفوت عن هفوته الثانية. ثم تقدمنا نحو القلعة الثالثة، وكانت تحصيناتها منيعة للغاية؛ فحثثت فرساني وطوقتها ليلاً من كل جانب. وبينما كانت الحامية والأهالي غارقين في الكرى، أمرت البهادرية¹ بالاستعداد واقتحام الأسوار، فتمكنوا من ارتقائها ببراعة.

ومع بزوغ الفجر، أمرت بنفخ الأبواق وناديت باسم الله ملبياً، وهجمت بالجيش على القلعة. وبسرعة خاطفة اقتحم جندي الحصن وأتممنا فتحه. وما إن أتممت صلاة الصبح حتى أُدخل عليّ أسرى الاقتحام، وغنمنا في هذه القلعة غنائم وفيرة. ولما وافى الأمير حسين نبأ الظفر، أقبل مهنئاً بالفتح، وسرى خبر انتصارنا في الآفاق. وحينها، تسلم الأمير محمود، وكان بمعيتي، رسائل من القلاع الأربع الباقية يعرضون فيها تسليم الحصون إليه دون قتال، وكتبوا إليه: «إن ظفر الأمير تيمور بالقلاع، انتزع منكم ملك سيستان وأباد خضراءنا». فركن الأمير محمود لقولهم وتسلل ليلاً في خفية مني. واجتمع أهل القلاع وجموع غفيرة ليشنوا عليّ هجوماً موحداً. وحين بلغني نبأ زحفهم، قسمت جيشي إلى ثلاث تعبئات: جعلت الأمير حسين على الميمنة، وأقمت تعبئة أخرى على الميسرة، وقبضت بيدي على لواء القلب. وفي الصفوف الأولى نصبت رماة المدافع، ومن ورائهم جنود مدججون بالرماح. دارت رحى معركة طاحنة، وكنت في أتونها محاطاً باثني عشر بهادراً؛ فأصابني سهمان: أحدهما في ساقي والآخر في مرفقي الأيمن. ومن شدة وطيس القتال لم أشعر بجراحي، ولم أفق إلا بعد أن كتب الله لنا النصر وولي أعداؤنا الأدبار منهزمين. توجهت بعد ذلك نحو كرمير، حيث أقمت حيناً أضمد جراحي. وسيرت الأمير حسين بمئتي فارس إلى بقلانات؛ فدخلها وافتتحها، ولكنه ما إن استقر بها حتى ألّب الرعية وسائر الخدم عليه لجهله بأصول الحكم وانصراف همه إلى جمع حطام الدنيا. فباغته آخوند بك بجيش الجتة، وهزم حسيناً في المعركة، ففر الأخير بأربعمئة فارس إلى قرية شرقا. ساءني صنيع قائدي هذا، لكنني، ورغم التئام جراحي، كنت مكبلاً عن التدخل لتفرق جندي ولم يكن حولي سوى أربعين فارساً.

استدعيت تيمور خواجه أوغلان، وصحبت الأمير مغدي بك وأربعين فارساً من ذوي الأحساب الرفيعة، واستنهضت بعزم كل من أطاق اللحاق بي من حرسي، وسرت بهم نحو جبال ميسد وعسكرت هناك. وسرعان ما أمدني صديق برلاس بفرقة من الجند؛ وكان قد خدم في ركابي وقاتل معي من قبل، فاستبشر بلقائي خيراً. مضيت بمعيتهم نحو أرصاف. فأرسل إليّ الأمير حسين كتاباً يبدي فيه رغبته في الانضمام إليّ ويرجوني إمداده بجند؛ فبعثت إليه بصديق برلاس وأربعين فارساً عوناً له، وواصلت مسيري. وفي طريقي لمحت سواداً على التل، فخشيت مباغتة العدو وأرسلت طلائع تستطلع الخبر. فعادوا يبشرونني بأنه رفيقي القديم كيرانشي بهادر مقبلاً في مئة فارس لنجدتي؛ فحمدت الله على هذا الغوث في ذلك الظرف العصيب. ولما بلغنا وادي أرصاف، اعترض طريقنا نمر مفترس، فحدثتني نفسي بأن صيدي لهذا النمر سيكون فأل خير وتوفيق في كل مساعيّ؛ فرميته بسهم فأرديته قتيلاً. نزلنا بربوة في الوادي، وخرجت للصيد لنقتات منه طوال مقامنا في سهوب أرصاف بانتظار قدوم الأمير حسين. كان عسكري يضرب خيامه على ضفاف نهر عظيم. وفي إحدى الليالي، تحت ضوء القمر، جلست وحيداً على الجبل، فلما دنا وقت الرقاد، صليت على النبي وآله الكرام ونمت. فسمعت هاتفاً يقول لي: «الصبر مفتاح الفرج». استيقظت متهلل الوجه ممتلئاً غبطة بتلك الرؤيا. وحين تلفت حولي، رأيت جمعاً غفيراً يزحف نحونا من جهة بلخ. دون أن أنبس ببنت شفة لرجالي، امتطيت جوادي واستقبلت الجمع القادم، ولما دنوت منهم سألتهم عن هويتهم؛ فغمرتني البهجة حين علمت أنهم رجال الأمير تيمور الذين طال بحثهم عنه في الفيافي. قادوني إلى أمرائهم، فإذا بي أرى قادة طال عهدي بهم: قتلوغ خواجه برلاس، والأمير سيف الدين، وتونغ بهادر. وما إن رأوني حتى ترجلوا وأكبوا على ركابي يقبلونه ويبكون فرحاً برؤيتي. ضممتهم وجيشهم إلى عسكري وأولمت لهم مأدبة عظيمة. ولم يلبث أن أقبل ركب آخر من صوب مرو؛ فخشينا أن يكون عدواً، غير أن مخاوفنا تبددت؛ فقد كان ذلك شير بهرام، نادماً على ما فرط منه، مقبلاً بجيشه لينضم إليّ، مستعطفاً إياي أن أصفح عنه وأطوي صفحة الماضي. فاستقبلته بحفاوة وأكرمت وفادته وقبلت عذره كأن لم يكن بيننا شيء، بل وددت تطييب خاطره المكسور فأهديته تاجاً مذهباً وقلنسوة مرصعة بالجوهر وقلدته حزامي بيدي. وظللنا في وادي أرصاف نحتفل بهذه البشائر أياماً طوالاً.

وبعد أربعة أيام، وافانا حاجي برلاس والأمير حسين في مئتي مقاتل، واستبد بنا الفرح باجتماع شملنا. وأجمعنا الرأي على منازلة جيش جت، فبعثت بشير بهرام في عسكر إلى بوغاي صلدور، متولي حصن دولاخون، ليدعوه للانضمام إلى صفنا. قصد شير بهرام بوغاي صلدور، فأعرب الأخير عن عظيم وده لي، غير أنه اعتذر بحرمة الوفاء لإلياس خواجه الذي ائتمنه على الحصن ورفض نقض عهده. ومع امتناع بوغاي، انشق عنه ثلاثمئة فارس وانحازوا إلى معسكري. وما لبثنا أن قوضنا خيامنا وانتقلنا إلى معسكر جديد. وهناك لحق بي حاكما قندوز وبدخشان، ألن ومحمود شاه كابولي، على رأس جحافل عظيمة؛ فأحسنت استقبالهم وأجزلت لهم العطايا والمبرات. وبالاتفاق مع الحلفاء، وجهت مئتي فارس بقيادة تيكيش بهادر نحو بلخ. كما أرسلت تاموك بهادر لاستطلاع أحوال ديار جت، غير أن فصيله أصيب بنكبة دهماء؛ إذ غرق الفوج بأكمله بعتاده ومتاعه أثناء عبور نهر ترمذ، ولم يعد منهم مخبر لأهله. ولم ينجُ سوى تاموك بهادر نفسه بأعجوبة، فأتاني ينعى رجاله ويخبرني بامتناع جيش الجتة البالغ ستة آلاف مقاتل عن التراجع، وأنهم عاثوا في أحواز ترمذ نهباً وسلباً بعد أن فتكوا بمن اعترضهم.

فلما وقفت على جلية الأمر، خففت مسرعاً وعسكرت عند ضفاف نهر جيحون (آمو داريا). وفي تلك الأثناء قفل تيكيش بهادر راجعاً إليّ محفوفاً باليمن، حاملاً معه أسلاباً وغنائم جزيلة. وتزامناً مع ذلك، وردتني كتب من الأمراء سليمان، وجاغو برلاس، وموسى، وجلال الدين، وهندو؛ يخبرونني بأنهم لما تناهى إليهم خبر نزولي بوادي أرصاف، ونظراً لنقمتهم على جت، عزموا على الانضمام إليّ بألف فارس من فرسانهم. ولما بلغوا ضفة نهر ترمذ، قدموا الأمير توغول بوغ ليستطلع موضع معسكري على وجه اليقين. وفي ذلك التوقيت عينه، زحف الأمير صيد بن أيغو، ومنغلي بوغا حاكم دولاخون، وحيدر الأندخوئي، في ستة آلاف فارس بأمر من إلياس خواجه وتغلق تيمور لقتالي؛ فاجتاحوا نواحي ترمذ وبلخ، مما ألجأ أهل بلخ إلى خوض غمار نهر جيحون عياذاً بحماي.

وبعد ثلاثة أيام، أطل القادة الثلاثة سالفو الذكر مع ستة آلاف فارس على الضفة المقابلة لجيحون متأهبين للوثوب علينا، ولم يكن يفصل بيننا سوى النهر. انتدبت تيمور خواجه بهادر سفيراً إلى الأعداء، وأمرته أن يبذل وسعه لثنيهم عن نية الحرب. ولقنته من الحجج البالغة ما يؤكد عبثية القتال، طالباً منه أن يبلغهم: «إن بني البشر قاطبة كأعضاء جسد واحد؛ فإذا اعتدى امرؤ على غيره، فكأنما يبقر جسده بيده، وما كان للعدوان قط أن يُعد صنيعاً رشيداً». تركت هذه الكلمات التي نقلها سفيري أثراً عميقاً في نفوس قادتهم، فنزلوا عن غيهم وعزمهم على قتالي. وإذ تصالحت مع أعدائي بغير إراقة دماء، شرعت في القفول. غير أنه بعد يوم من رحيلي، أصاخ العدو لنصح نفر من ذوي النوايا الخبيثة ممن أوغروا صدورهم، وأقنعوهم بأن العودة دون منازلتي عار يلحق بهم؛ فعبروا نهر جيحون بغتة واصطفوا في تعبئة القتال لمهاجمتي. التفتُّ إلى جيشي، فرأيته قليل العدد بينما العدو يربو علينا أضعافاً؛ بيد أن رجالي كانوا صفوة مختارة من البهادرية البواسل، فلم يفتّ في عضدي قلة جمعي، بل استشعرت عزة واستبشاراً مستحضراً قول الحق في محكم تنزيله: «كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ»، دلالة على أن النصر معقود بعون الله لا بالكثرة.

لم يلتحم الجيشان إلا عند الأصيل. وفي المساء عقدت مجلس حرب، واستقر رأينا على مباغتة جيش جت بغارة ليلية، وإن ظل هاجس قلة عددنا يساورنا. وفي غسق الليل، تراءت لنا ثلاث سرايا تقترب منا، فظننا أن العدو قد بادر بالهجوم وتأهبنا للرد، غير أن روعنا سرعان ما سكن؛ إذ تبين أنهم الأمراء سليمان، وجاغوي برلاس، وموسى، الذين خلعوا طاعة خان الجتة وسارعوا لنجدتنا بألف وخمسمئة فارس نكاية في الجتيين. فاستقبلناهم بالفرح والبشر وأكرمنا وفادتهم، وحمدت المولى القدير على هذا الخلاص في اللحظة الحرجة. ثم ما لبث منغلي بوغا، والأمير صيد، وحيدر أن زحفوا نحونا بثلاثة كراديس. ولم يكن بيدي حينها سوى ثلاثة آلاف فارس، قسمتهم إلى ست كتائب؛ فقدمت الرماة في الطليعة ومن ورائهم رجالة مدججون بالرماح والسيوف. اشتبكت هاتان الطليعتان في قتال ضارٍ منذ الفجر الباكر حتى مغيب الشمس دون أن يحسم أحد الطرفين المعركة، وأصاب الإجهاد الجمعين على حد سواء. بيد أن ثلثي جيشي كانا لا يزالان في أوج نشاطهما وعنفوانهما؛ فانقضضت بهذه القوة المدخرة على العدو المنهك تحت جنح الظلام وهم في غفلة. اندفع رجالي بهتاف «الله يار!»، وقصف الطبول ونفير الأبواق. هاجمت ثلاث مرات دون أن أظفر بفيصل المعركة، لكن الهجوم الرابع حسم الملحمة وكتب الله لنا الفتح المبين. فلما ألحقنا الهزيمة بالعدو، استولينا على معسكره وغنمنا ما لا يحصى من سلاح ومتاع. وخررت ساجداً لله شكراً على نصره إيانا على أعتى عدو. وتوافد عليّ المخلصون يهنئون بالظفر، وسرعان ما طار خبر النصر إلى إلياس خواجه، فأمر لتوه بتجريد الحق بهادر وكيشيك بك لقتالي. ولم أكن لأتوقع ذلك، فلما تنامت إليّ نذر الخطر، ارتحلت عن موضع القتال، وأقمت الأمير حسين والياً على بلخ، وعبرت آمو داريا وحططت رحالي في روضة خضراء من سهوب الأرض. وبينما كانت طلائعي غارقة في النوم آمنة لا ترتقب بأساً، باغتتنا قوة كثيفة للعدو؛ فانتهبوا بعض الخيام المتطرفة عن قلب المعسكر، وفر قاطنوها إلى السهب. فوقفت بنفسي والبهادرية إلى جواري نرمي بالنبال ببسالة، فصددنا العدو عن الاقتراب. ولما رأيت أن جهة النهر خالية من العيون، أمرت بنقل سائر الخيام والمؤن إلى الضفة المقابلة، وأتممنا ذلك على عجل. وبعد العبور، ركبت قارباً إلى الشاطئ الآخر؛ واخترت موضعاً حصيناً شيدت حوله المعسكر، ومكثنا فيه شهراً تاماً، بينما ظل العدو رابضاً على الضفة المقابلة طوال الشهر. وبعد انقضاء الشهر، وجدنا معسكرهم قاعاً صفصفاً بعد أن جلوا عنه، فزحفت بجيشي منتصراً نحو بلخ حتى بلغت أطراف خُلم. استقبلنا الأمير حسين هناك، وأقمت في تلك الربوع عشرة أيام في أفراح ومسرات. ولاحت لي فكرة انتزاع سائر حواضر بلاد توران من قبضة الجتيين؛ وبموافقة الأمير حسين استأنفنا السير نحو بدخشان، وبلغنا سريعاً ناحية قندوز.

وفي تلك الأثناء، وافتني فرقتان تضمّان زهاء ألف فارس من قبيلة الجوز. فحثثت السير بهذا الجيش ليلاً نحو بدخشان للحيلولة دون تحصن حامياتها فور سماعهم بنبأ قدومنا. وما إن قاربت ديار طعان، حتى خرج حكام بدخشان لاستقبالي بالهدايا السنية. فاستخلصت منهم ألفي فارس تعزيزاً لجندي، ثم قصدت جيلان لجمع أكبر قدر ممكن من الجيوش قبل الانقضاض على جت؛ وكان سني آنذاك ستاً وثلاثين سنة. وافيت جيلان واصطحبت القائد العام وجنده، وواصلت المسير حتى بلغت قلماق وهناك ضربت معسكري.

¹كلمة «بهادر» تعني في الأصل البطل الأبي أو الشجاع المغوار، ولها صلة لغوية واشتقاقية باللفظ المنغولي «باتار» (Baatar)، والتركي القديم «باغاتور» (Baghatur)، والتركي الحديث «بهادِر» (Bahadır)، والروسي «بوغاتير» (Богатырь أي الفارس الأسطوري/البطل)، والهنغاري «باتور» (Bátor أي الجريء).