بعد بضعة أيام، انطلق أمير حسين — الذي كان قد أرسل شير بهرام قبله — بهدف هزيمتنا خلسةً، وعندما وصل إلى أوخ-غاني، توقف هناك. كنتُ في خيراس. …
بعد بضعة أيام، تحرك الأمير حسين، الذي كان قد بعث شير بهرام في طليعته، قاصداً مباغتتنا وهزيمتنا سراً، وعندما وصل إلى أوتش-غاني توقف هناك. وكنتُ أنا في خيراس. وفي ذلك الحين حضر إليّ حاجب الأمير خسرو وقدّم لي المصحف الشريف الذي قال إن الأمير حسين أقسم عليه بألا يضمر لي أي عداء، وأنه إن بدر منه ما يضر بي فإنه يسلّم بأنه أسيري. وأضاف المبعوث أن الأمير حسين يرغب في تجديد يمينه بحضوري تأكيداً للثقة، ورجاني أن ألقاه في الوادي التابع لكيتشيك-بك. وفي غضون ذلك، كان الأمير حسين قد أعدّ فرقتين من الجند في الموضع المحدد للقاء ليأخذاني أسيراً في حال وصولي. فأدركتُ أن القسم والدعوة لم يكونا سوى مكيدة دبرها عدوي؛ ولكي أحول دون ظفر الأمير حسين بي عن طريق الغدر، قمتُ بدوري بنشر كتائب من بهادراني الأشاوس في مواضع متفرقة من السهب. وفي تلك الأثناء وردتنا رسالة من الأمير حسين يزعم فيها أنه سيتوجه إلى الوادي بلا جيش، مكتفياً بموكبه المكوّن من مائة فارس فقط، ورجاني أن أثق به وأن أدخل الوادي دون جند. وكتب الأمير حسين أن في وسط الوادي موضعاً ملائماً ليكون ملتقانا. ونظراً لمعرفتي بخبث الأمير حسين، دخلتُ الوادي برفقة ثلاثمائة فارس، بينما اصطحب الأمير حسين نحواً من ألف فارس. وحين رأيتُ الأمير حسين يقترب نحوي من بعيد توقفتُ. فانقضّ عليّ القادة والكتائب الذين سرّبهم الأمير حسين خفية؛ فبرز الجند الذين أكمنتهم لحمايتي من جهتين ودار رحى قتال عنيف. وكانت ضربات بهادراني من القوة بحيث لم يقو جيش الأمير حسين على الصمود أمام الهجوم الأول لفرساني، فولّوا الأدبار مذعورين. وطارد بهادراني قوات الأمير حسين، فأثخنوا فيهم قتلاً وجراحاً. ولجأ الفارّون إلى راية سيدهم الذي كان ينتظر باطمئنان واثقاً من وقوعي في أسر جحافله، مترقباً إحضاري موثقاً بالأصفاد بين يديه. ولكن ما أعظم خيبته ودهشته حين عاين فرار جنوده وانهيار مخططاته بالكامل! فتحول غضبه العارم صوب شير بهرام.
بعد أن ظفرتُ بهذا النصر المبين، عدتُ إلى قرشي واسترحتُ هناك قرير العين بنجاحي. وخلال مقامي في قرشي، لم تغفل عيني عن عدوي، وسعيتُ جاهداً لجمع أدق المعلومات عن تحركات الأمير حسين. وحين جمعتُ قادتي، خاطبتهم قائلاً إن كل من يخدمني بإخلاص فله أن يثق بأني سأعامله معاملة الأخ؛ إذ لم أزل أقسم الغنائم بينهم بالعدل وسأمضي على هذا العهد. أما من لا يجد في قلبه ثقة ولا ولاءً صادقاً لي، فقد طلبتُ منه الانصراف فوراً. فأكد جميع الحاضرين إخلاصهم، وبايعوني بالولاء ووقعوا بأيديهم ميثاقاً جاء في نصه: "إننا نعاهد الله ونعد بحرمة تامة بألا نتخلى عن الأمير تيمور أبداً. ونشهد الله على ذلك، فإن نكثنا بعهدنا فلينزل القدير عقابه بنا". وهكذا اطمأننتُ إلى ولاء جيشي. ثم سرتُ نحو باهان لإخضاع قبيلة سنجر. ووردتني أنباء تفيد بأن الأمير حسين قد جرد اثني عشر ألف فارس بقيادة الأمير موسى والأمير مالك بهادر للاستيلاء على جبال قرشي وملاحقتي. وإذ كنتُ متردداً في وجهتي، شحذتُ همم جندي بوعدهم بالعطايا وتوجهتُ نحو قبيلة سنجر بعد أن بعثتُ إليهم أعلن قدومي. ولما كان السنجريون قد حظوا بإحساني سابقاً، فقد سارعوا بدافع الامتنان إلى إيفاد وفد مؤلف من ألف فارس محملين بالهدايا النفيسة؛ ودعوا بعض أمرائي إلى حاضرتهم وأكرموا وفادتهم.
لم أكن مطمئناً تماماً لبعض أمرائي وكانت الشكوك تساورني حول ولائهم. فلما بلغ أولئك الأمراء خبر ارتيابي فيهم، أقبلوا عليّ بالمصاحف والسيوف وقالوا: "إن كنتَ تصدق قسمنا فهاك المصحف، وإن شئتَ قتلنا فها هو السيف". فاستقبلتهم بكرم وترحاب واستوثقتُ من صدق ولائهم. وكان هؤلاء الأمراء هم: الأمير جاغو، وأبو تيمور، والأمير ساري بوغا، وجلاير، والأمير مؤيد برلاس، والأمير سيف الدين بهادر، والأمير عباس، وحسن بهادر، وآق بوقا، والأمير مؤيد أرلد، وآق تيمور بهادر، وإيلجي بوقا بهادر، وعباس بهادر قبتشاق، ومحسود شاه بخاري. وهكذا برهن الجميع من جديد على وفائهم لي، فتحركتُ بهدوء للاستيلاء على بوابة القلعة. فقتلوا كل حارس استيقظ عند اقترابهم، بيد أن صيحات الحراس أيقظت سكان الحصن في النهاية. عندئذ أمرتُ بضرب الطبول والنفخ في الأبواق على الفور؛ فدوّى النفير وأفزع القوم النيام كأنما أصابهم زلزال مروع، واستبد الرعب بالجميع، حتى إن جند الحامية تواروا خائفين بين الأخشاب والتبن. وصعد قائد الحصن، محمد بيك بن الأمير موسى، إلى السطح واستبسل في القتال حتى الصباح. ولما تنفس الصبح ورأى محمد بيك الغلبة لنا، نزل من السطح إلى داخل الدار وتحصن فيها. فأضرمنا النار في الدار، وأُسر كل من خرج هارباً وأُحضر إليّ. وأخيراً جلبوا أمامي الشاب محمد بيك، نجل الأمير موسى. كان فتى يافعاً في مقتبل العمر، فأعجبتُ بشجاعته وعاملته كما لو كان ابني. وعفوتُ عن السكان واقتسمتُ الغنائم بالسوية بين فرساني. وقمتُ بترتيب جيوشي وفق بوابات القلعة: فعند بوابة حصار وضعتُ الأمير سار، والأمير سيف الدين، وداود، ومؤيد؛ بينما جعلتُ كلاً من سويورغتمش أوغلان، والأمير عباس، وحسن بهادر، وآق بوقا على سائر الأبواب المحيطة بالحصن. ونشرتُ بقية مقاتلي على امتداد أبراج القلعة. وأظهرتُ الرحمة لآل الأمير موسى وسيّرتُ جميع أفراد عائلته إليه. ولما بلغت الأميرَ موسى أنباءُ استيلائنا على حصن قرشي، بادر برفقة مالك بهادر إلى جمع اثني عشر ألف مقاتل من أشجع الفرسان، وزحف نحو قرشي لانتزاع الحصن منا. وهكذا كان: ضرب الأمير موسى الحصار عليّ باثني عشر ألف جندي داخل قلعة قرشي. فوجهتُ في الحال الأمير مؤيد أرلد مع أربعين فارساً وإيلجي بوقا مع أربعين آخرين، وأمرتهم بشن غارة ليلية على الأمير موسى مساء السبت. فأوقعوا الذعر في معسكر الأمير موسى كأنهم ذئاب انقضت على قطيع من الضأن. ورغم إصابة وسقوط بعض رجالي، فقد قتلوا وجرحوا الكثير من صفوف العدو، وأسروا جماعة ساقوهم إليّ، وكان من بينهم شادراوان بهادر. فعزمتُ على إكرام ضيافته، واستقبلته بكل إعزاز وأولمْتُ له، ثم خيرته بين الرجوع إلى الأمير موسى أو البقاء في خدمتي. فأبدى شادراوان بهادر رغبته في الانضمام إلى جندي.
وبعد ثلاثة أيام، أرسلتُ آق تيمور نحو شادراوان لمنازلة الأمير موسى. فتقدم مسرعاً وهاجم جيش الأمير موسى ببسالة فائقة، واستطاع انتزاع مائة فرس من العدو وجلبها إليّ. وكان كنجة بهادر مرابطاً خلف السور مع مائتي فارس يحرسون إحدى البوابات. وخرج إيلجي بوقا وآق تيمور بهادر في ستين فارساً بعد أن مدوا جسراً خشبياً فوق الخندق، واستعملوا المقاليع وضربوا بالسيف حتى قتلوا نحو ألف ومائتي مقاتل من صفوف الأعداء. وفي ذلك الوقت، وصل توغا بوقا بهادر لنجدة الأعداء، فأرسلتُ بدوري بيرغوتشي بهادر لدعم مقاتلي. وتصادم الجمعان بشجاعة نادرة أذهلت كل من شهد الوقعة وأثارت إعجابه. وأثناء وطيس المعركة وقع مشهد فريد: إذ تقدم من صفوف الخصم مقاتل أوزبكي عُرف بفرط بأسه وقوته الجسدية، ملوحاً بهراوة ثقيلة يريد أن يهوي بها على رأس غاز بوقا بهادر؛ بيد أن غاز بهادر أطبق يديه ببراعة على يدي الأوزبكي مع هراوته ولواهما خلف ظهره، وساقه إلى داخل القلعة كما يُساق طائر كُسرت جناحاه. وقال شهود العيان إن غاز بهادر حقق مأثرة تعيد إلى الأذهان بطولات رستم وإسفنديار الغابرة. عندها استولى الرعب على مقاتلي العدو ولاذوا بالفرار خلف الخندق، إلا أن بهادراني اقتفوا أثرهم هناك وطردوهم. وتوارى الأمير موسى ومالك بهادر داخل البساتين. ثم هجم توغول بهادر بمائتي فارس على بهادراني وأجبرهم على التقهقر. ولما رأيتُ تراجع أصحابي، أمرتُ بالنفخ في الصور وسارعتُ لنجدتهم؛ وبمجرد أن رآني الفرسان تبدد خوفهم وعادوا للقتال بضراوة وأثخنوا في الأعداء بين الأسوار. واقتحم جنودي بأسيافهم ثغرة في الجدار مطاردين إيلجي بوقا وتوغول بهادر اللذين هربا مع فرقهما. فتعقبهما أمير بهرام ومجور الخراساني، غير أن الأول ظن لسبب ما أن مجور من أعدائي فأرداه قتيلاً.
حار الأمير موسى في أمره، ووجه قوة قوامها خمسة آلاف مقاتل نحو بوابات حصار. ثم شن أربعة آلاف فارس بقيادة الأمير موسى شخصياً هجوماً مباشراً عليّ. فخرجتُ لملاقاتهم في بادئ الأمر بمائة فارس فقط، غير أنهم لم يقووا على صد هذا الحشد الغفير؛ ومن أجل غوث عسكري أطلقتُ القذائف بنفسي، فأصابت إحدى القذائف المرمية الأميرَ موسى نفسه، فاستبد به الخوف وولى هارباً على الفور مع جيش من سبعة آلاف رجل. كما أن الخمسة آلاف رجل الذين قاتلوا تحت قيادة مالك بهادر عند بوابات حصار ضد الأمير سيف الدين والأمير ساري بوغا فروا أيضاً إثر هجمات متكررة شنها أبطالي، فتعقبهم مالك داود. وانضم هؤلاء الخمسة آلاف الفارون إلى الأمير موسى، وكان هلعهم شديداً إلى حد أنهم تركوا أرزو مالك آغا، ابنة بايزيد جلاير وزوجة الأمير موسى، وحيدة في السهب. فشملتها برحمتي وأرسلتها إلى حماية أحد الشيوخ الأجلاء.
طاردنا العدو حتى منطقة قزل-تاغ. بعد ذلك قررنا قضاء فصل الشتاء، وهو ما رآه قادة بخارى صواباً؛ فقفلتُ عائداً إلى كيش لكونها بلدة وافرة الأقوات ومحكمة التحصين. وبعثتُ قوة إلى بخارى بقيادة محسود شاه وأمرته بدخولها. أما جند الأمير حسين الذين فروا من قرشي، فاستحوذ عليهم الخجل حين علموا أن الأمير حسين قد صب لعناته عليهم؛ فاختاروا الأمير موسى زعيماً لهم وزحفوا بعشرة آلاف مقاتل تحت إمرة عشرة أمراء لفتح بخارى. فجردتُ ضدهم حاكم هرات آنذاك، مالك حسين، الذي كان قد عاين سخائي من قبل. أما أنا، فقد توجهتُ إلى بلاد ما وراء النهر تلبية لرجاء أهلها الملحّين. وتركتُ مقامي لابني الأكبر محمد جهانكير، وعينتُ مبارك شاه وصياً وحامياً له (أتاليك).
استخرتُ بالمصحف الشريف، فخرجت لي الآية الكريمة: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره". فغمرني فرح غامر. وبعد أن عبرتُ نهر جيحون (آمو داريا)، كنتُ متردداً بين المسير إلى سمرقند أو التوجه إلى بخارى. وفي تلك الأثناء وردت أنباء تفيد بأن قسماً كبيراً من قوات الأمير موسى قد احتشد قرب قرشي، فقصدتُ تلك الناحية. وباغتُ الأعداء بالهجوم السريع وهزمتهم شر هزيمة، وأسرتُ الأميرين قيصر وأورداشيه، وغنمتُ غنائم وافرة وزعتها على جندي. ولما بلغت هذه الأنباء هندوشاه والأمير سليمان، هربا في خمسة آلاف فارس وبدآ يحشدان صفوفهما في موضع متفق عليه مسبقاً استعداداً للنزال. فلما وقفتُ على استعداداتهما، عزمتُ على مباغتتهما بالهجوم. وقسمتُ جيشي كاملاً إلى سبع فرق؛ وأرسلتُ الشيخ علي بهادر والأمير جاغو طليعة استطلاع، وعينتُ داود برلاس، وسارو-جو بهادر، وهندوشاه، وإيلجي بهادر، وعلي يسوري، ومحمود شاه قادة للكتائب. وحينها بلغني أن الأعداء المجتمعين يعتزمون بدورهم الإغارة عليّ. فبادرتُ بتعبئة جندي وتجهيزهم للقتال في سهب كوزا. وأخيراً لاحت لنا جموع العدو مقبلة من بعيد. ولما رأيتهم يتقدمون في فرق متعددة، أمرتُ ببدء الاشتباك مع طليعتهم في الميمنة والميسرة، وسيرتُ قوات إضافية عديدة لمساندتهم. وكانت المعركة دامية استمرت من الفجر حتى المساء. واقتحمتُ المعمعة بنفسي دون وجل بصحبة ثلة من البهادرين. وبتأييد من الله استطعتُ تبديد أعدائي وتفريق شملهم كالدخان. وغنمتُ أسلحة كثيرة وسقتُ أسرى لا يحصون. ورفعتُ صلاة الشكر لله على ما منحني من نصر مؤزر. واقتفى جيشي أثر المنهزمين فوقع خلق كثير في الأسر. وكان من بين الأسرى أولجايتو سلطان طولكان. فلما رآني قال إنه خدم الأمير حسين وكان وفياً له بدافع الشكر، وهو الآن مستعد لخدمتي بنفس الإخلاص إن رغبتُ في ذلك، وأضاف: "وإن لم تشأ قبولي في خدمتك ورأيتَ قتلي، فليكن قضاؤك نافذاً". فبادرتُ إلى طمأنة أولجايتو وأثنيتُ على شجاعته. ورغم أن بعض قادتي أشاروا عليّ بقتله، إلا أنني رفضتُ ذلك تماماً؛ بل أكرمته وجعلته قائداً لكتيبة ومنحته كتاب أمان ورعاية. فاستبشر غاية الاستبشار بجودي. وقد أسدى إليّ أولجايتو هذا خدمات جليلة فيما بعد لا يتسع المقام لحصرها. وهكذا دحرتُ جيش الأمير حسين.
استولى شاكر بهادر على سمرقند؛ وبغية كبح جماحه، زحفتُ بجيشي نحوها. وكتبتُ كتاباً إلى شاكر بهادر دعوته فيه إلى الانقياد لي طوعاً، واعداً إياه بتنصيبه أميراً مكافأة على ولائه؛ بيد أن شاكر رد عليّ بأنه مخلص للأمير حسين ويعدّه ولي نعمته، وكتب: "إن غدرتُ بالأمير حسين، فمن ذا الذي سيثق بي بعد ذلك؟". فلم أملك إلا الإعجاب بوفاء شاكر بهادر لسيده. واقتربتُ من سمرقند، فبرز منها شاكر بهادر بجيشه وهاجم قواتي. ومنذ الضربة الأولى تمكنتُ من هزيمة جند العدو وإجبارهم على الفرار. ولاحقهم آق تيمور حتى أبواب المدينة، بل وانتزع من شاكر بهادر حزامه. وفي طريق عودتي مكثتُ في أحد المواضع زمناً، حيث بلغني أن أنصاراً للأمير حسين قدموا من منطقة كيش واستولوا على ماتشوك، بينما كان هو يتعقبهم من الخلف. فعقدتُ مجلساً حربياً وتشاورْتُ مع القادة في خطة التحرك. وبعد عبور نهر يام بلغتُ خجندة بعد أربع مراحل.
كان الأمير حسين يضمر البغض لاثنين من قادته، وهما يعلمان ذلك، وكانا كاي خسرو وبهرام جلاير، اللذين كانا قد فرا مني سابقاً وانضما إليه. ولما أيقنا كراهية الأمير حسين لهما، بعثا إليّ بكتاب يفيد بأنهما قصدا خان جيت واستنجدا به فأمدهما بسبعة آلاف فارس، وأنهما قدما معهم إلى طشقند للدخول في طاعتي وأنهما بانتظاري هناك. فحثثتُ السير إليهما. واستقبلني الأمير كاي خسرو بحفاوة بالغة وأولم لي وليمة فاخرة. وأقمتُ في طشقند شهراً كاملاً. وكان الأمير كاي خسرو صهراً للأمير طغلق تيمور وله كريمة، فزوجتُ تلك الكريمة من ابني محمد جهانكير. كما منحتُ الأمير بهرام منصباً رفيعاً. وتناهى إلى علمي آنذاك أن الأمير حسين يعسكر في غيراك وييلاغ.
وعلمتُ من مصادر موثوقة أن الأمير حسين أذن لجيش من اثني عشر ألف رجل بمهاجمتي، وأرسل مالك بهادر في طليعة من ثلاثة آلاف فارس. فقمتُ بغارة سريعة على جاغان شاه وبددتُ شمل الجيش المصطف ضدي في كل اتجاه. واقتسمتُ جميع ما غنمناه من عتاد وأسلحة بين رجالي. وسرعان ما انضم إليّ كاي خسرو أيضاً.
اتفقنا على النزول في واراك، وسرنا منها في ثلاث فرق. وبثثنا شائعة تفيد بمقدم المغول ونشرنا الرايات المغولية لبث الرعب في أفئدة العدو. وهكذا التقينا بمالك بهادر. وما إن لاحت راية المغول حتى استولى الفزع على عسكر مالك بهادر وفروا لينضموا إلى الأمير حسين. وعقب هذا الظفر توجهتُ إلى رباط ملك، حيث استقبلني الأمير كاي خسرو بإجلال وهنأني بالنصر.
نزلنا للراحة على أمل الاحتفال بعزة نصرنا بما يليق به، بيد أنه ما لبث أن جاء النبأ بأن الأمير حسين، الذي قيل إنه توارى خجلاً، يقترب منا ثانية. فتقدمتُ بدوري لملاقاته في ناحية بارسين. وكان الصقيع شديداً والجليد يغمر السبل؛ ولما علمتُ أن الأمير حسين قد نكص على عقبيه، عدتُ أدراجي وقضيتُ الشتاء في طشقند.
أقبل الصيف، وبعد التداول مع بطانتي ورجالي، عزمتُ على إرسال تحف وهدايا فاخرة إلى خان جيت التماساً لنجدته. فأمدني الخان بعشرة آلاف فارس.
علم الأمير بتدفق التعزيزات إليّ. فكتب إليّ كتاباً يقسم فيه مجدداً على القرآن بألا يقدم بعد اليوم على أي مكر ضدي، ورجاني إبرام الصلح معه. وأقبل عليّ أئمة وفقهاء طشقند وأنديجان وخجندة يحملون المصحف الذي أقسم عليه الأمير حسين بالتصالح معي. وناشدوني بدورهم ألا أرد الأمير حسين وهو راغب في الوفاق، وأن أعقد معه الصلح.
قصصتُ على الأئمة تفاصيل كل ما جرى بيني وبين الأمير حسين، وذكرتهم بنكثه السابق لعهوده المقسم عليها بالقرآن. فأشار عليّ الفقهاء، دون التسرع في رفض الصلح، بفتح كتاب الله واستلهام ما يخرج منه. فوافقتُ وسرتُ مع كافة أمرائي نحو سمرقند للقاء الأمير حسين.
أرسلتُ الأمير موسى إليه لأستطلع مدى صدق رغبة الأمير حسين في الصلح، بينما قصدتُ أنا حصن شادمان. وأقبل عليّ توراك شاه يخبرني بأن الأمير حسين قد استبشر بمسيري إلى شادمان، ونقل إليّ ثانية باسمه التماساً بالصلح. فأجبته بأنني قد وجهتُ عباس بهادر بالفعل، وطلبتُ منه أن يبلغ الأمير حسين رجائي بأن يصطحب هذا البطل إلى المزار الشريف لـ"علي آتا"، ووعدتُ بالحضور إلى هناك بنفسي لنعقد الصلح رسمياً.
قدم الأمير موسى وأولجايتو على الأمير حسين وأبلغاه دعوتي، وقاداه في موكب من مائة فارس إلى موضع المزار المحدد. وانطلقتُ أنا بخمسين فارساً إلى المقبرة، وهناك التقينا.
خاطبني الأمير حسين قائلاً: "دعنا ننسَ الخصومة القديمة والملام". فأجبته بحزم: "لن تعود بيننا المودة كما كانت في سابق عهدها".
وبعد ذلك قطعتُ عهداً مغلظاً بألا أنقض ميثاق الصلح ما لم ينكث الأمير حسين يمينه التي أقسمها على القرآن. وأعطاني الأمير حسين العهد ذاته.
وعقب تمام المصالحة، امتطى كل منا جواده ومضى في اتجاه مختلف: فتوجه الأمير حسين إلى سالي سراي، بينما قصدتُ أنا كيش ونزلتُ بها للاستجمام. وكتبتُ كتاباً إلى ولدي محمد جهانكير آمره بالقدوم إليّ من مرو مع الجند والسلاح.
وفي تلك الآونة وافاني كتاب من الأمير حسين يخبرني فيه بثورة حكام بدخشان وأنه قد تجرد لإخضاعهم. فرددتُ عليه متمنياً له سفراً ميموناً وتوفيقاً.
وبينما كنتُ أستريح في ربوع كيش، بلغتني الأنباء بأن مالك حسين، صاحب هرات، يشن الغارات على رعايا الأمير حسين وينهبهم. فسرتُ في الحين بجيشي وعبرتُ نهر ترمذ، وانتزعتُ من مالك حسين كل ما سلبه ورددته إلى رعايا الأمير حسين. ثم واصلتُ المسير نحو حاضرة بدخشان لإغاثة الأمير حسين وعونه.
* * *
وبعد أن أنهى المترجم عن الفارسية، نبي جان هاتف، سيرة الأمير تيمور الذاتية بهذه الواقعة، لم يفته أن يحلّي عمله، جرياً على التقاليد الشرقية، بخاتمة وجيزة هذا نصها.
بعون الله وفضله أتممتُ هذا السفر. والله يغفر الذنوب لجميع عباده، لذا أرجو من القراء الكرام ألا يؤاخذوني على ما قد يقع من عثرات في الألفاظ التركية والأويغورية، وألا يجدوا في أنفسهم حرجاً من هذه الهفوات غير المقصودة.
في عام 1835، ألّفتُ هذا الكتاب ملتزماً بدقة بكلمات «صاحب القرآن» تيمور نفسه. وقد توقفتُ عند وصف مصالحة تيمور مع حسين؛ أولاً، لأن المخطوطة الفارسية تنتهي أيضاً هنا، وثانياً، لأن «السلام خير من الحرب». واسترشاداً بهذا القول المأثور، اختتمتُ عملي بوصف للمصالحة، لكي ينتهي الأمر بخير.
¹تعني كلمة بهادر (Bahadur) في الأصل البطولي أو الشجاع، وهي مرتبطة اشتقاقياً بالكلمة المنغولية باآتار (Baatar)، والتركية القديمة باغاتور (Baghatur)، والتركية بهادير (Bahadır)، والروسية بوغاتير (богатырь «بطل»)، والمجرية باتور (bátor «شجاع»).