السياحة في كازاخستان: اكتشف سحر الجمال الخفي. بفضل موقعها الجغرافي، تُعد كازاخستان منطقة فريدة من نوعها للسياحة. في قلب القارة الأوراسية
بفضل موقعها الجغرافي الاستثنائي، تعد كازاخستان وجهة فريدة من نوعها للسياحة. تقع في قلب القارة الأوراسية، وتُمثل مجمعاً طبيعياً بديعاً يجمع أروع ملامح التضاريس من كلا جزأي القارة. وللتأكد من صدق هذا القول، يكفي القيام برحلة بالسيارة من شمال البلاد إلى جنوبها؛ فبعد قطع مسافة 1800 كم، ستعبر أربع مناطق بيئية متتالية: السهوب الحرجية، السهوب المفتوحة، شبه الصحراوية، والصحراء القاحلة.
ويشير هذا التنوع البيئي المذهل إلى ثراء الحياة النباتية والحيوانية في البلاد. ووفقاً لبيانات علماء الحيوان، يوجد اليوم في كازاخستان أكثر من ستة آلاف نوع من النباتات، ويعشش فيها نحو 500 نوع من الطيور، بينما يعيش 107 أنواع من الأسماك في أنهارها وبحيراتها.
وللحفاظ على هذا التنوع البيولوجي الفريد في كازاخستان، أُنشئت شبكة متكاملة من المحميات الطبيعية الوطنية، ومن أشهرها: محمية “أكسو-جاباغلي”، حيث تعيش تحت حماية الدولة نمور الثلوج، ودببة تيان شان البنية، وسناجب المرموط طويلة الذيل، والوشق، والذئاب؛ ومحمية “كورغالجين“، موطن تعشيش طائر الفلامنغو الوردي ذي الشهرة العالمية. وتُعد محمية كولودجون الطبيعية موئلاً مشتركاً للكركي الرمادي، وعقاب السيرة الصغير، والبلشون الأبيض، وعظاءة زايسان ذات الرأس الدائري. وتبرز أيضاً محمية ماركاكول الطبيعية، التي تضم إحدى أروع عجائب المنطقة: بحيرة ماركاكول الشاسعة (بطول 38 كم وعرض 19 كم)، والتي تحتضن مياهها نوعاً نادراً ومتوطناً من سمك اللينوك السيبيري.
وقد فُتحت هذه المحميات الطبيعية وغيرها أمام السياح منذ فترة ليست بالقصيرة. وهكذا أوجدت كازاخستان، إلى جانب سياحة تسلق الجبال والسياحة التراثية التي سنتناولها لاحقاً، قوة دافعة كبرى لتطوير السياحة البيئية — وهي نمط من الاستجمام يحظى بشعبية واسعة في شمال روسيا وعدة دول أوروبية. وتوضيحاً لذلك: تُعد السياحة البيئية تجربة سفر واعية وروحية، يكون الدافع الرئيسي لها التفاعل مع البيئة الطبيعية وعناصرها المميزة كالمناظر الطبيعية والأنواع النادرة من النباتات والحيوانات.
قمة بيلوخا، وممر الرخام، وأوليتاو، وشلال كوك-كول، وكازيغورت، وممر بورخات — ليست هذه سوى قائمة مقتضبة لمعالم الجذب في المرتفعات الجبلية في كازاخستان، والتي تستقبل سنوياً مئات العشاق للأنشطة الترفيهية والمغامرات من شتى بقاع الأرض. لكن الجزء الشمالي من سلسلة جبال تيان شان، أو جيتيسو (الأنهار السبعة) كما يطلق عليه السكان المحليون، يُعتبر بحق أحد أهم الرموز الطبيعية للجمهورية. إنه موقع فريد، حيث كان إقليم جيتيسو في العصور القديمة ملتقى استراتيجياً للعديد من المسارات التجارية والحملات العسكرية.
تُعد سلسلة جبال زايليسكي ألاتاو أقصى امتداد شمالي لتيان شان الكازاخستانية، ويصل طولها إلى 400 كم. وفي زايليسكي ألاتاو، تتركز أكثر المسارات تفضيلاً لهواة تسلق الجبال في محيط مضيق ألماتي الصغير ومجلدة بوغدانوفيتش. ومن أبرز وجهات التسلق: مجلدة بوغريبيتسكي (4421 م)، وممر تويوك-سو (4100 م)، وممر أوردجونيكيدزه (3980 م)، وممر كومسومول (4000 م)، وقمة مانشوك ماميتوفا (3750 م)، وقمة لوكوموتيف (4182 م)، وقمة أمانغيلدي (4000 م)، وقمة أباي (4010 م)، وقمة شكولنيك (3590 م)، وغيرها.
كازاخستان بلد يتميز بثقافة أصيلة وماضٍ تاريخي مجيد، لذا ليس من الغريب أن تكون السياحة التراثية الإثنية إحدى ركائز السياحة البارزة فيها. ففي كل ركن من أركان الجمهورية تقريباً، سيجد الزائر الشغوف بالحياة الحقيقية للشعب الكازاخستاني وعاداته وتقاليده وإبداعاته الفنية طيفاً واسعاً من الأنشطة الثقافية الآسرة.
ومن الأمثلة على ذلك: أحد أبرز المعالم السياحية في منطقة زامبيل هو مضيق بيركارا الواقع داخل محمية بيركارا الطبيعية الوطنية. ويحتوي المضيق على 504 تلال دفن أثرية (كورغان)، يعود أربعة منها وفقاً للمؤرخين إلى عصر الساكا القديم. فضلاً عن ذلك، تتداول الروايات أن جنكيز خان وجيوشه الجرارة قد عسكروا يوماً في أراضي محمية بيركارا الحالية.
وفي نطاق مقاطعة ألماتي، يقع المجمع المتحفي للشاعر زامبيل زاباييف. ويضم المجمع: منزل الشاعر السابق، ومرآباً، وحديقة غناء، بالإضافة إلى مبنى إداري، فضلاً عن ضريح الشاباييف نفسه. وبفضل الجهود المخلصة للقائمين على المتحف، أمكن الحفاظ على معظم المقتنيات الشخصية للشاعر في صورتها الأصلية تماماً.
وبشكل عام، يُمكن القول إن هذا المعلم التاريخي لا يقدم توثيقاً بصرياً لنمط حياة زامبيل فحسب، بل يجسد بعمق روح الحقبة التاريخية التي عاش وأبدع خلالها.
وإلى جانب المعالم التاريخية التي تجسد حياة الشعب الكازاخستاني، تزخر مدن عدة بحدائق وطنية وثقافية مميزة، أكبرها المجمع التذكاري الإثني “خريطة كازاخستان أتاميّكين” في أستانا. ويُعد “أتاميّكين” متحفاً مفتوحاً فريداً من نوعه تحت السماء المفتوحة؛ إذ يضم المجسم 14 منطقة ومدينتين رئيسيتين: أستانا وألماتي. وتُعرض فيه للزوار نماذج مصغرة للمناطق المناخية والتضاريس الطبيعية، فضلاً عن مجسمات لأبرز المعالم السياحية والصروح التاريخية في كازاخستان. وتبلغ مساحة هذا المجمع التذكاري 1.7 هكتار.
أما المسار الآخر في قطاع السياحة الذي شهد طفرة ونمواً كبيراً خلال الأعوام الأخيرة في كازاخستان، فهو السياحة المائية. كازاخستان ليست مجرد بلاد للسهوب اللامتناهية، بل هي أيضاً موطن ساحر للأنهار والبحيرات. ويتركز أكبر عدد من المسطحات المائية في الجنوب الشرقي من البلاد، في تلك المنطقة ذات الاسم الرمزي العريق جيتيسو (الأنهار السبعة). وتنتمي معظم أنهار جيتيسو إلى حوض بحيرة بلخاش. وتستقطب أنهارها السياح المحليين والأجانب بشدة، ومن أبرزها: إيلي، وشارين، وكوكسو، وقره تال، وتشيليك.
نهر إيلي، الذي يتشكل من التقاء نهرين هما تيكيس (كازاخستان) وكونغيس (الصين). ينبع النهر من جبال الصين، ويعبر أراضي كازاخستان (حيث يبلغ طول الجزء الكازاخستاني منه 815 كم) ليصب أخيراً في بحيرة بلخاش. ويعد إيلي ثالث أكبر أنهار كازاخستان، ولا يسبقه في الحجم والتدفق سوى نهري إيرتيش والأورال ذوي الشهرة العالمية.
أما نهر شارين، فهو نهر هادر وجارف تتدفق مياهه عبر روافد عديدة صغيرة ورافد رئيسي كبير هو نهر تيميرليك. وتوجد بالنهر سلاسل من المساقط والشلالات النهرية الشهيرة مثل “شلالات موناي”، و”فرشاة الأسنان”، و”تاو-تيكي”، و”السايغا”، و”المدرع”. وفي منطقة جبال كولوكتاي، يشق شارين طريقه عبر وادٍ أخدودي مهيب يصل عمقه إلى 400 متر.
وينبع نهر كوكسو من مثلجة باسكان الواقعة على المنحدر الشمالي الغربي لجبال جونغار ألاتاو. ويكون وادي النهر في مجراه العلوي شديد الوعورة والصخرية، حيث تبلغ سرعة تدفقه القصوى 37 متراً في الثانية (في نطاق سوفخوز كوكسو). وقد جرى تصميم برامج تجديف وركوب أمواج نيلية مميزة للسياح على مجرى نهر كوكسو.
ويُعتبر تشيليك أكبر نهر في سلسلة زايليسكي ألاتاو؛ حيث ينبع من المنحدر الشرقي لجبل تشيليك-كيمين (على ارتفاع 3350 متراً). وفي مساره نحو بحيرة بارتوغاي، يعبر تشيليك وادي جالاناك ومضايق بارتوغاي العليا والزرقاء. وهو نهر جبلي مثالي بتياراته الهائجة ومياهه الجارفة، إذ يبلغ اتساع مجراه في الجزء العلوي 5-6 أمتار، وفي الجزء الأوسط 10-15 متراً، بينما يصل أقصى عمق له إلى 1.5-2 متر.
وكما هو معلوم، استضافت كازاخستان دورة الألعاب الآسيوية الشتوية عام 2011. ولم يكن اختيارها لتنظيم هذه الألعاب القارية البيضاء وليد الصدفة، إذ لطالما كان دعم وتطوير الرياضات الشتوية في صدارة الأولويات الوطنية. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، شيد المعماريون في كازاخستان مجمعاً رياضياً فريداً في وادي ميديو الجبلي على ارتفاع 1691 متراً فوق مستوى سطح البحر. وتتمثل درة هذا الإنجاز في أضخم حلبة تزلج جليدية صناعية في العالم، والتي لا تزال منذ عقود تجتذب عشاق الرياضات الشتوية من شتى أنحاء البلاد والعالم.
وتصل المساحة الكلية للمسطح الجليدي إلى 10.5 آلاف متر مربع. ويسمح النظام المبتكر للتجميد الاصطناعي بالحفاظ على جودة استثنائية للجليد لأكثر من 8 أشهر في السنة. ومنذ تأسيس مجمع “ميديو”، تم تحطيم 170 رقماً قياسياً عالمياً على حلبته الأسطورية.
ومن أبرز المعالم الرياضية والسياحية الشتوية الأخرى في كازاخستان منتجع التزلج الشهير “شيمبولاك”. يقع هذا المنتجع في مضيق زايليسكي ألاتاو الفاتن (على بعد 25 كم فقط من ألماتي). وتغطي الثلوج مساراته من شهر نوفمبر حتى مايو. ويتميز شيمبولاك بأكثر من 300 يوم مشمس في العام، بينما يبلغ متوسط سماكة الغطاء الثلجي 150 سم. وقد جُهزت منحدرات التزلج بمصاعد وتلفريك حديث، ويضم المنتجع فندقاً يحمل الاسم نفسه يتسع لاستضافة 114 نزيلاً في وقت واحد.