زاهير الدين محمد بوبور: لمحة عن مؤسس الإمبراطورية المغولية وأهميته التاريخية. كان زاهير الدين محمد بوبور شاعرًا وفيلسوفًا ومؤرخًا ورجل دولة أوزبكيًا عظيمًا
كان ظهير الدين محمد بابر شاعراً أوزبكياً كبيراً، وفيلسوفاً، ومؤرخاً، ورجل دولة مرموقاً، ومؤسس السلالة البابرية وإمبراطوريتها العظيمة. ومن بين مؤلفات بابر العلمية، يحتل «مبحث العَروض» (1523-1525) مكانة استثنائية، حيث تناول فيه نظرية العَروض وأوزان الشعر الشرقي. وفي عام 1521 ألّف العمل الفلسفي والديني «المُبيّن»، الذي فصّل فيه الأركان الخمسة للشريعة الإسلامية.
ولد ظهير الدين محمد بابر في 14 فبراير 1483 في أنديجان، ابناً لحاكم فرغانة وحفيداً من نسل الأمير تيمور. في عام 1494، وحينما كان بابر في الثانية عشرة من عمره فقط، تولى حكم فرغانة. وفتح أفغانستان في عامي 1503-1504. وخلال الفترة الممتدة من 1519 إلى 1525 حاول فتح الهند خمس مرات، ليصبح مؤسس إمبراطورية بابر (التي دخلت التاريخ العالمي باسم «إمبراطورية المغول الكبرى»)، والتي امتدت لأكثر من ثلاثة قرون (1526-1858، حتى الاستعمار البريطاني للهند). وتوفي في 26 ديسمبر 1530 في مدينة أغرا؛ حيث كان ضريحه في البداية، قبل أن يُنقل رفاتُه لاحقاً إلى كابول.
يمتاز الإرث الأدبي لبابر بالتنوع والغنى الفريد. جُمعت أعماله الغنائية في «ديوان كابول» (1519) ثم في «ديوان الهند» (1529-1530). ونظم الشعر في أكثر من 10 أجناس من الشعر الغنائي الشرقي. وتعكس قصائده مسار حياته الشخصية، ومحيطه، والأحداث التاريخية في عصره. ويشكل الغزل جوهر شعر بابر؛ إذ تتجلى براعته الشعرية في أسلوبه الأدبي الأصيل وتوظيفه المتقن لأروع التعابير البلاغية في اللغة التركية الجغتائية.
تشير المصادر إلى أنه أنجز ديواناً شعرياً متكاملاً، وتتجاوز حصيلة قصائده 400 قصيدة، كُتبت 119 منها بأسلوب يُعرف باسم «الغزل»، بينما تتألف 231 قصيدة منها من «الرباعيات».
تجسد قصائده بصدق وواقعية الأحداث التاريخية في عصره، وحياته الفردية، والبيئة المحيطة، ونظرته إلى الإنسان والدين، فضلاً عن عادات وتقاليد تلك الحقبة.
يمكن القول إن أشعار بابر ما هي إلا سيرة ذاتية للشاعر، تعبر عن مشاعر جياشة بلغة شعرية تلامس الوجدان، وترسم باقتدار الأحاسيس الناجمة عن الصراع مع تقلبات الحياة والقدر.
يمثل شعر الغزل الركيزة الأساسية في إبداع بابر، ومن أهم سمات شعره تمجيد الحب الإنساني الصادق والواقعي والعميق. وتفوح نصوص الشاعر بروح وأثر الشعر الملهم لـ علي شير نوائي. ففي غزلياته ورباعياته، يسلط الضوء على جوهر العلاقات الإنسانية كالمحبة والصداقة والسعي نحو الجمال. ويمتدح الشاعر الحب الإنساني باعتباره أسمى كرامة للبشرية.
يعلن بابر استعداده الكامل لتحمل أقسى الشدائد في سبيل لقاء محبوبته؛ إذ لا يمكنه تصور الحياة بعيداً عنها. ويعبّر بصدق فائق ونبل عن استعداده للتضحية بكيانه كله من أجل الحب.
لا يُشرق ضوء الشمس بغير وجهها القمري،
ولا حلاوة للسُّكّر دونها، وقد تغنّيتُ بعذوبته.
وبغير الحبيبة الممشوقة، يغرس السرو سهمًا في صدري،
وبغير البتلات، تفقد الورود عِطرها وألوانها.
ماذا أصنع في الفردوس؟ إنما أريد أن أكون معها،
فماذا عساي أبتغي في رياض عالم آخر؟
دَع رأسك يُقطع في سبيلها يا بابُر،
فانتزاعها من قلبي العاشق أمرٌ مستحيل!
الحب عند بابُر هو الوفاء، والتفاني، والنبل، والإنسانية؛ فهو يضعه فوق كل شيء: فوق الثروة والمكانة الاجتماعية وكل متاع الدنيا. وفي روائعغزليّاته،يرسم الشاعر صورة المحبوبة الفاتنة، مسبغًا عليها جمالًا لا نظير له، وثراءً باطنيًا، وكمالًا روحيًا، موظفًا ببراعة أدوات فنية مبتكرة.
تلك الفاتنة ذات القوام الغضّ الرقيق هي بغيتي،
كالشمس التي يُشرق نورها في الروح، إليها حاجتي.
أنا الذي هويتُ، لا أبتغي قبة المحراب المقدسة،
بل حاجب تلك الحسناء البارعة الذي خُطّ بدلال هو مطلبي.
«انسَ رأسك يا فؤاد، ودع سبيل العاشقين…
إن كنت ترومه، فتنحَّ عنه».
كلُّ من خرّ صريعًا عند قدميها قد يقضي عند شفتيها،
إن كان لا يبتغي سوى قبرٍ لرقاده الأبدي.
ما خطبك يا بابُر إن جفاك الجميع؟
فما يلزمك إلا ابتسامةٌ من خليلتك.
وفي إشادته بمشاعر الحب الصادقة وتأكيده على المحبة الإنسانية الأرضية، ينتقد بابُر بضراوة نفاق الشيوخ المتعصبين والزهاد، بل ويتصدى لأصحاب الفكر الدوغمائي المظلم. حتى إن لهيب جهنم يبدو مجرد شرارة ضئيلة مقارنة بنار الفراق:
لو علمتُ أنّ الفراق سيغتالني بهذا الغدر،
لعشتُ مع معشوقتي حتى الموت بلا كدر.
أيروعني الجحيم؟ ولكن أمام لظى النوى،
ما لهيب جهنم سوى قبسٍ من الشرر.
يحتل موضوع الوطن مكانة استثنائية في شعر بابُر الغنائي؛ حيث تعبر قصائده، ولا سيما الرباعيات، بقوة هائلة عن الحنين الجارف إلى الديار والحب اللامحدود لها.
أنتَ في أرض غريبة – ومنسيٌّ بلا ريب، أيها الإنسان!
ولا يشفق المرء من صميم فؤاده إلا على نفسه، أيها الإنسان.
ما عرفتُ في أسفاري فرحةً تدوم لساعة واحدة!
فأبدَ الدهر يبكي المرء وطنه الحبيب، أيها الإنسان.
يتناول شعر ظاهر الدين محمد بابُر قضايا الأخلاق والارتقاء الروحي للإنسان؛ فالشاعر يرفع من شأن الإنسان، ويعامله ببالغ التقدير، ويُعلي من كرامته، رافضًا كل ما يتنافى مع ذلك. فالأنانية، والغرور، والطمع، والخيلاء سماتٌ عقيمة تُهلك صاحبها. ويقدم الشاعر للناس نصائح مخلصة، موضحًا في مقطوعاته الشعرية كيف ينبغي للمرء أن ينمي في نفسه أسمى الفضائل الأخلاقية.
وعند تناوله هذا الموضوع، يصف اللطف، والكرم، والنبل، والصدق بأنها المعاني الأسمى للوجود الإنساني؛ ويرى في الصداقة أثمن تجليات القيمة الإنسانية وقوة هائلة في مواجهة العدو.
وعند الحديث عن اللغة الفنية لأعمال بابُر، ينبغي الإشادة ببساطتها وسلاستها ووضوحها وإيجازها؛ فالشاعر يبتعد عن العبارات الرنانة والتراكيب المعقدة. وتسهم بساطة لغة بابُر في جعل أعماله يسيرة الفهم لدى القراء، محتضنةً في ثناياها باقة ثرية من المشاعر والأحاسيس.
يدعو ظاهر الدين محمد بابُر إلى تجنب الثرثرة الجوفاء، والتعبير عن الأفكار بإيجاز ووضوح وبساطة، وعدم استخدام كلمات يجهل المرء كنهها بنفسه. حيث يشير على وجه الخصوص: «اكتب ببساطة أكبر، بعبارة واضحة ونقية، فهذا أيسر عليك وعلى القارئ».
ولا ريب أن هذه السطور من كتاب «بابُرنامه» تشهد على أن براعة بابُر الشعرية تركت أثرًا عميقًا وجليًا في اللغة التصويرية لأعماله النثرية، مما أضفى عليها جمالًا فنيًا آسرًا وشهرة واسعة.
وتتجلى موهبة بابُر الشعرية في أسلوبه الأدبي الرفيع، واستخدامه المتقن لأكثر وسائل لغته الأم تعبيرًا، فضلًا عن إعادة صياغته الإبداعية لكنوز الفن الشعبي الموروث.
ومن بين مصنفاته العلمية، تحتل «رسالة في العَروض» مكانة فريدة في تطور فقه اللغة الشرقية؛ فهي ثمرة دراسة دقيقة ورصينة للأسس الشعرية والتمكن النقدي من إنجازاتها. وقد أثرى بابُر نظرية علم العَروض (نظام نطق المقاطع المنبورة وغير المنبورة، والطويلة والقصيرة في اللغة) بظواهر ومفاهيم وتعميمات جديدة استوعبها، وطوّر تصنيفًا مبتكرًا لأنماطها وأوجهها.
وهو يعزز آراءه بشواهد ونصوص من الشعر العربي، والفارسي-الطاجيكي، والتركي. ولا يقتصر هذا التضلع المعرفي على إبراز التقارب والتأثير المتبادل بين الآداب فحسب، بل يبرهن أيضًا على الآفاق الرحبة والإمكانات الشعرية الفياضة لدى الشعوب الناطقة بالتركية. ومواصلًا تقاليد علي شير نوائي، أولى بابُر اهتمامًا بالغًا للشعر الشعبي، فاشتمل مؤلَّفه على بيانات قيّمة حول فنون الغناء التراثي ومواد إثنوغرافية شيقة.
يروي كتاب «بابُرنامه» الشهير تاريخ التيموريين العظام وصراعهم لتأسيس إمبراطورية كبرى (أحداث 1494-1529). ويحتفظ معهد الاستشراق بأكاديمية العلوم بأكثر من 10 نسخ مخطوطة من «بابُرنامه». وانطلاقًا من ذلك، نشر الباحث المتخصص في تراث بابُر، بورسو شمسيف، نصًا نقديًا محققًا (1960) لهذا العمل العبقري بعد مقارنة مخطوطات عدة. ولاحقًا، نشر المستشرق الياباني إ. مانو أيضًا نصًا نقديًا لـ«بابُرنامه» (1994). كما نُشر النص على يد ن. إيلمينسكي (1847)، وبيفريدج (1905)، وفطرت (مقتطفات، 1928)، وب. شمسيف (1960).
تُرجم الكتاب إلى الفارسية (1586)، والهولندية (1705)، والإنجليزية (1826)، والفرنسية (1871)، والتركية (1940)، والروسية (1942). وتناول موضوع «بابُرنامه» العديد من الروايات لأدباء عالميين مثل ف. أ. ستيل (باريس، 1940)، وف. غرينارد (باريس، 1930)، وهـ. لامب (نيويورك، 1961)، وف. غاسكوني (نيويورك، 1980)، وموني لال (6 روايات) وغيرهم. كما ألّف كتّاب أوزبك قصائد عنه (أويبيك، بايقابولوف، خورشيد دوران)، ورواية (بيريمقول قديروف)، وقصة طويلة (هـ. سُلطانوف).
وفي عام 1521، وضع مؤلَّفًا فلسفيًا ودينيًا بعنوان «المبيّن»، فصّل فيه الأركان الخمسة للشريعة الإسلامية، كما ألّف في العام ذاته كتابًا في أحكام الزكاة والضرائب بعنوان «مبيّن الزكاة». أما مصنفاته العلمية «حرب إيشي» («فنون الحرب») و«موسيقى عِلمي» («علم الموسيقى») فلم يُعثر عليها حتى يومنا هذا.
وابتكر بابُر استنادًا إلى الخط العربي خطًا أطلق عليه «خط بابُري»، صممه ليلائم الخصائص الصوتية للغات التركية. وقد نسخ بهذا الخط المصحف الشريف وعددًا من مؤلفاته الخاصة.
كما مارس الترجمة الأدبية؛ حيث ترجم شعرًا العمل الفلسفي الديني «الرسالة الوالدية» لأحد أعظم أئمة الصوفية – خواجة أحرار ولي، تلميذ بهاء الدين نقشبند.
ونظّم أعضاء البعثة العلمية الدولية لدراسة تراث بابُر رحلات استكشافية عدة على خُطى الشاعر، حيث عثروا على أكثر من 500 كتاب ووثيقة محفوظة اليوم في متحف «بابُر ومكانته في العالم المتحضر» التذكاري. وتضم مدينة أنديجان حديقة بابُر بضريحه الرمزي، فضلًا عن مجمع «أرك إيشي» التذكاري.
لم يكن ظاهر الدين محمد بابُر مجرد مراقب عابر للحياة العامة والتاريخ؛ بل كان يسعى دوامًا إلى تحليل الوقائع والظواهر، والتعبير عن رؤاه، وصياغة أفكاره ومشاعره. وكانت تلك الأفكار والمشاعر مكرسة بأسرها لخدمة مبادئ الخير والعدالة، والحق والجمال.