أمير تيمور: نظرة على حياة وإرث الفاتح والحاكم العظيم أمير تيمور هو قائد عسكري وحاكم ترك بصماته في تاريخ آسيا الوسطى والجنوبية والغربية
أمير تيمور هو قائد عسكري وفاتح عظيم لعب دوراً محورياً في تاريخ آسيا الوسطى والجنوبية والغربية، وكذلك في القوقاز وحوض الفولغا وروسيا. وهو القائد الفذ، مؤسس الإمبراطورية التيمورية (1370) وعاصمتها سمرقند.
وُلد أمير تيمور في 9 أبريل 1336 في قرية خواجة إلغار (يكاباغ) بالقرب من كيش (شهرسبز). وتفيد الأساطير بأنه وُلد قابضاً في كفه على علقة دم وبشعر أبيض كشعر كهل متقدم في السن، وهو ما نُسب أيضاً إلى جنكيز خان. كان والده، الأمير محمد تاراغاي، ينحدر من بيت نبيل ينتمي إلى قبيلة برلاس التركية. وكان شخصية ذات شأن عظيم ويحظى في بلاد ما وراء النهر بهيبة ونفوذ واسعين. واحتل أسلافه مكانة مرموقة في صفوف نخبة البلاط بأولوس جغتاي، منسوبين إلى القائدة التركية الأسطورية ألان كوا، وتركزت أملاكهم حول كيش ونسف.
وكان والد تيمور، الأمير تاراغاي، يواظب على حضور مجالس القورولتاي لأمراء جغتاي التي يعقدها خان الأولوس على ضفاف نهر إيلي. وفي عام 1355 تزوّج ابنة الأمير جاكو برلاس، تورموش آغا.
أما كبير أمراء ما وراء النهر كازاغان، الذي استوثق من مواهب أمير تيمور وفضله، فقد زوّجه في العام ذاته حفيدته أولجاي توركان آغا. وأثمر هذا الزواج عن قيام حلف وثيق بين أمير تيمور والأمير حسين، حفيد كازاغان؛ فخاضا معاً غمار الصمود في وجه المغول. وفي عام 1356 رُزق أمير تيمور بابنين هما: جهانكير وعمر شيخ.
وكانت الأوضاع الاقتصادية في بلاد ما وراء النهر في أواخر القرن الثالث عشر والنصف الأول من القرن الرابع عشر تسير من سيئ إلى أسوأ يوماً بعد يوم. وقد وجد تغلق تيمور، خان مغولستان، في ذلك فرصة سانحة فزحف عام 1360 صوب قشقداريا دون أن يلقى مقاومة تُذكر. فالتحق أمير تيمور بخدمته، ولكن حين عمد تغلق تيمور إلى تنصيب ولده إلياس خوجة والياً على ما وراء النهر، رفض أمير تيمور الانصياع لهذا الأمير، وعقد اتفاقاً مع حاكم بلخ، الأمير حسين، ليدخل إثر ذلك في صراع مستميت وضارٍ ضد المغول.
وفي تلك الآونة، كانت حركة السربداريين – أي "المحكوم عليهم بالإعدام شنقاً" – تبسط سيطرتها على سمرقند، ممتشقة السلاح هي الأخرى ضد المغول. وجاءت تسمية هذه الحركة الشعبية من شعار أنصارها: "إما الذود عن الحرية أو تعليق الرؤوس على المشانق". وفي عام 1370، تُوّج أمير تيمور في مجلس القورولتاي بمدينة بلخ أميراً أعلى على توران.
كما أتاح له زواجه من الأميرة الجنكيزية ساراي ملك خانوم أن يوشح اسمه بلقب الشرف الرفيع "كوركان"، أي "صهر الخان".
وكانت الغاية الأسمى لأمير تيمور تتجلى في تجاوز ويلات التشتت وجمع شتات الإمارات المستقلة في كيان دولة موحدة قوية. واصطفى سمرقند لتكون حاضرة دولته الفتية، حيث استنفر الجهود لتشييد أسوارها المنيعة وقلعتها وقصورها الشامخة. وأسس صرح سمرقند الجديدة بجوار أطلال عاصمة بلاد الصغد العريقة (أفراسياب المعاصرة).
وبعد أن تمكن من ضم وإخضاع الأقاليم الممتدة بين نهري آموداريا وسيرداريا، علاوة على وادي فرغانة وربوع الشاش، انطلق أمير تيمور في فتوحاته الكبرى المظفرة.
امتد عهد أمير تيمور على مدى 35 عاماً حافلة (1370 – 1405). وأرسى دعائم إمبراطورية عملاقة امتدت أطرافها من حوضي السند والغانج حتى سيرداريا وزرافشان، ومن قمم تيان شان حتى مشارف البوسفور، مكرساً جل سني عمره في ساحات الوغى وحملات الفتح.
ولاقى أمير تيمور ربه عام 1405 في مدينة أوترار وهو في طليعة حملة عسكرية كبرى نحو بلاد الصين.
وخلال حياة أمير تيمور، وُضع مؤلَف خاص في أصول الحكم والسياسة عُرف بـ "توزوك تيموري" (ملفوظات تيمور). ويُعد هذا الأثر وثيقة تاريخية بالغة الأهمية تعود للقرون الوسطى ويتألف من جزأين؛ إذ يشتمل على سيرة تيمور وأحداث حياته، ورؤى هذا القائد الفذ ورجل الدولة المحنك في فنون الحرب، وهيكلة الدولة وسياسة الرعية. إنه مدونة تشريعية نفيسة تبرهن على نجاح أمير تيمور في تأسيس دولة مركزية، متماسكة وفائقة القوة والمنعة.
وببناء صرح هذه القوة العظمى، هيأ أمير تيمور كافة المقومات للنهوض الاقتصادي والازدهار الثقافي في البلاد، فبُعثت تقاليد العصور السالفة في حلة تاريخية جديدة. ومع تحول بلاد ما وراء النهر إلى قطب التجارة والاقتصاد والثقافة في الشرق الأدنى، شرعت حواضر تاريخية مثل سمرقند، وكيش، وبخارى، وترمذ، وطشقند، ومرو وسواها – بعد أن سوّتها جحافل جنكيز خان بالأرض – في النهوض واستعادة بهائها وعمرانها.
وارتفعت في أرجاء مملكته روائع العمارة الإسلامية من جوامع ومدارس دينية وأضرحة وخانات وحمامات عامة. وغدا مألوفاً تخليد كل فتح مبين أو حدث جليل في سجل البنيان الشامخ. وكان أمير تيمور يتوخى من وراء نهضته العمرانية مقاصد سياسية جليّة؛ إذ كان على الصروح التي شيدها أن تنطق بعزة إمبراطوريته وشدة بأسها وعلو شأنها.
وخلال حقبة حكمه، قوض أركان الفرقة والتشرذم، ودشن جسور التجارة والعلاقات الدبلوماسية مع كبريات ممالك أوروبا آنذاك: فرنسا، وإنجلترا، وقشتالة. ولكن للأسف، لم يُكتب لهذه الروابط التجارية والدبلوماسية مع أوروبا الغربية الاستمرار والازدهار عقب رحيل أمير تيمور.
ويُبوئ التاريخ أمير تيمور مكانة سامية تضاهي أعظم القادة العسكريين عبر العصور، من طراز الإسكندر الأكبر، وداريوس الأول، ويوليوس قيصر.
إنه بلا ريب إحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل والإعجاب في التاريخ الإنساني. وتكشف لنا معارفنا المستقاة من مختلف المصادر التاريخية عن شخصية استثنائية تجتمع فيها خصال الحاكم البصير، والفاتح العظيم، والقائد الفذ، والمحارب الصلب.