معالم ميرف: نظرة على التراث المعماري لمدينة الواحة القديمة تُعرف ميرف في التاريخ باسم «ميرف الشاهدجان»، وتضم معالم معمارية قديمة. ويُقال إن &helli
مرو تُعرف في التاريخ باسم «مرو الشاهجان» وتزخر بآثار عريقة ضاربة في القدم. ويُروى أن القلعة (الكهندز) شيدها طهمورث، بينما أسس المدينة القديمة ذو القرنين. (تقع المدينة في سهل فسيح ناءٍ عن الجبال، حيث لا تلوح في الأفق أي قمم ولا توجد جبال في محيطها؛ وتربتها سبخة رملية).
إن صروح مرو شُيدت من الطوب اللبن، وتضم ثلاثة مساجد خُصصت لصلوات الجمعة. وكان أول مسجد أقيمت فيه الجمعة قد بُني في صدر الإسلام داخل أسوار المدينة الداخلية.
ومع تزايد جموع المسلمين، شُيد بالقرب من المدينة مسجد عُرف بـ«المسجد العتيق»، حيث كان يقصده المصلون والعبّاد لأداء صلواتهم.
اعتمد كل من الشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن مالك على مأثور أفعال وأقوال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أي (الحديث)، خلافاً للمذهب الرابع الأكثر انتشاراً للإمام أبي حنيفة الذي استند إلى الرأي والقياس. ومع الوقت هُجرت صلاة الجماعة في المسجد الأول، وصار يُعرف باسم «مسجد بني ماهان».
ثم أُنشئ بعد ذلك مسجد في الميدان. ويُذكر أن هذا المسجد وسوق المدينة ودار الإمارة قد شيدها جميعاً أبو مسلم. ويقع خلف المسجد دار الضيافة، وتضم هذه الدار قبة فخمة بناها أبو مسلم وكان يجلس فيها، وهي القبة ذاتها التي لا يزال حكام مرو يجلسون فيها حتى اليوم.
وهي قبة بديعة مبنية من الآجر المشوي، يبلغ اتساعها 55 ذراعاً بسقف ظاهر، ولها أربعة أبواب تفضي إلى رواق معمد بارتفاع 30 ذراعاً، وتتقدم كل رواق باحة مستطيلة الأرجاء.
تضاهي القلعة في مساحتها رقعة المدينة الداخلية برمتها، غير أنها خالية من الأنيس؛ وتقوم على ربوة مرتفعة، وعلى الرغم من علوها فإنها تحوي قنوات مياه جوفية ما زالت تتدفق حتى يومنا هذا، وتنتشر فيها أحياناً مزارع البطيخ وبساتين الخضار وغيرها.
أما الأسواق، فقد كانت قديماً عند بوابات المدينة الداخلية محاذية لـ«المسجد العتيق»، ثم نُقلت في زمن أبي مسلم إلى الميدان. وتعتبر أسواق مرو من أنظف الأسواق وأكثرها رونقاً وتنظيماً.
ويقع موضع صلاة العيد في حي «رأس الميدان» بساحة أبي جهمة؛ وهو مصلى تحيط به العمائر والمنشآت من سائر جهاته، ويتوسط المسافة بين قناة هرمزفرة (التي كانت تنساب بمحاذاة السور الغربي لسلطان قلعة) وبين الميدان.
ولأحياء المدينة تقسيمات ذات حدود واضحة وتخترقها قنوات مائية شهيرة؛ ومن أبرزها قناة هرمزفرة التي تصطف على ضفافها دور شتى من المدينة (البلد) في اتجاه سرخس، وهو الموضع الذي يدلف منه القادمون من سرخس.
وتشتمل على مبانٍ مهيبة عديدة؛ حيث إن الحسين بن طاهر (من أمراء السلالة الطاهرية)، الذي بسط نفوذه على مرو لحقبة من الزمن (منذ عام 877) في أعقاب انحسار ملك أسرته، ابتنى هذه الصروح في هذا الموضع، وكان يطمح إلى أن ينقل إليه السوق ودار الإمارة.
من هذه القناة يستمد حيّ رأس الشابائي، الذي يقيم فيه الشيخ الجليل أبو الفضل محمد بن عبيد الله، ماءه. (كان أبو الفضل [أبو الفضل] البلعمي وزيراً سامانياً تُوفي سنة 940 م).
ثم تأتي قناة تُعرف باسم الماجان؛ وعلى ضفافها تقع دار الإمارة، ومسجد جامع جديد، وسجن، ودار أبي النجم، وهو من موالي آل أبي معيط؛ وهي دار ذات قبة.
وفيها كان أنصار العباسيين يصبغون ثيابهم بالسواد؛ وهذه القبة قائمة حتى يومنا هذا. ثم قناة تُعرف بالرازق، التي تصب عند بوابة المدينة؛ ومن هذه القناة يستقي أهل المدينة (الداخلية) الماء ويحملونه إلى الحياض (البرك) بداخلها؛ وعلى هذه القناة يقع «المسجد العتيق»، وفي جزئها السفلي قصور خالد بن أحمد بن حماد الذي كان حاكماً لبخارى.
وأخيراً كانت هناك قناة تُعرف باسم الأسدي الخراساني (ويبدو أن قناة الأسدي أو الأسدي الخراساني كانت تجري محاذية لأسوار جياور-قلعة من الجهة الشرقية)، وكانت تمد أحياء باب سنجان وبني ماهان وغيرها بالمياه؛ وعلى هذه القناة كانت تقع منازلمرو المرزبان.
تلك هي القنوات التي تتوزع عليها أحياء المدينة وعمائرها. وتُحيط بهذه المباني وتلك القنوات (قناة الأسدي أو الأسدي الخراساني التي يبدو أنها كانت تجري بمحاذاة أسوار جياور-قلعة من الجانب الشرقي) سورٌ منيع؛ كما يحيط سورٌ آخر بالمدينة (بأسرها) وقراها (الرستاق)؛ وهو يطوق كافة التجمعات الحضرية ويُدعى بالرأي — ولا تزال آثار هذا السور شاخصة حتى يومنا هذا.
وللمدينة الداخلية أربعة أبواب: باب يُعرف بـ «باب المدينة» إلى جوار المسجد الجامع، وباب سيتجان، وباب بالين، وباب مشكان الذي يُنفذ منه إلى ما وراء النهر، وعلى مقربة منه كان يقع منزل المأمون ومعسكره إبان إقامته فيمرو، إلى أن استقرت الخلافة في يديه.
مرو تمتلك نهراً عظيماً تتفرع منه سائر القنوات المذكورة آنفاً وقنوات النواحي (الرستاق)؛ وينبع من وراء باميان ويُعرف باسم مرغاب، أي نهرمرو. ويذكر البعض أن هذا النهر سُمي نسبة إلى الموضع الذي ينبع منه ويُدعى «مرغاب».
ويقول آخرون إن «مرغ» تعني «الأجمة». ويجري هذا النهر بالقرب من مرو الروذ، وعلى ضفافه تقع أراضيها الزراعية، وحدّ هذا النهر في إقليممرو هو (قرية) كوكين، (ويُرجح أن اسمها لوكر أو ليفكر) الواقعة بين خوزان والقرينين.
وتتبع خوزان لمرو الروذ، بينما تتبع القرينين لـمرو. ويبدأ انقسام هذا النهر عند قرية زرق، حيث يقع مقسم مياهمرو. ومن هذا النهر شُقت جداول صغيرة لكل حي وشارع، ثُبتت عليها ألواح خشبية (وتضيف نسخة باريس: «هذه الألواح موضوعة في قرية بخت آب التي تبعد نصف فرسخ عن المدينة»).
وإذا زاد الماء أخذ كل مستفيد نصيبه من الفائض، وكذلك إذا نقص الماء (نال حصة أقل). ويتولى إدارة هذا الماء رئيس مخصص له، وهو أعظم شأناً ومكانة من متولي الضرائب. (ويبدو أن صاحب المعونة هو المسؤول عن الضرائب والرسوم غير الخراج).
وقد حُدِّثتُ أن أكثر من 10,000 إنسان يرتزقون من هذا الماء — ولكل واحد منهم ديوان أو مكتب قائم على هذه المياه.مروكانت معسكراً للمسلمين في صدر الإسلام، وفيها آلَ ملكُ فارس إلى المسلمين، إذ قُتل يزدجرد ملك فارس في طاحونة (قرب قرية) زَرق.
ومن هنا انطلقت دعوة العباسيين، وفي دار أسرة أبي النجمة المسيتي صُبغت أولى أثواب «المسوّدة»؛ وهنا انتقلت السلطة الخلافية إلى المأمون وقهر أخاه محمداً بن زبيدة. (أي محمد الأمين، الخليفة العباسي (193 - 198 هـ = 809 - 813 م)؛ وزبيدة هي اسم أمه).
ومنها (مرو) تخرج معظم قادة الخلافة العسكريين (القيّاد) وكتّابها في العراق، وحكام خراسان، والعديد من كبار الفقهاء وأعلام البيان. ولولا أننا التزمنا في كتابنا بحدود معلومة، ولولا أن ما بيّناه مستفيض في الأخبار والكتب، لأفضنا في ذكر شتى طبقات الناس وغير ذلك مما أوجزناه.
وفي عهد الفرس كان أهلها أبرز أهل أقاليم إيرانشهر (أي إيران، كما ورد في المخطوطة ج؛ وفي النسخة المطبوعة: أبرشهر) موهبةً وعلماً، حتى بزّ الطبيبُ المعروف ببرزويه سائرَ أطباء الفرس، وفاق الموسيقيُّ باربد غيره في الغناء والموسيقى.
إن الخبز في مرو يبلغ من الجودة حداً لا يضاهيه خبز في خراسان رقّةً ولذة، والفواكه المجففة في مرو — من العنب (الكشمش) وغيره — تُفضل على سائر أعناب البلدان؛ ورغم ما اشتُهرت به هرات من وفير الثمار وما يتوفر منها في بقاع شتى، فإن ثمار مرو تفوقها جميعاً في طيب المذاق وقيمته.
وتتجلى جودة ثمار مرو في أن بطيخها يُقطّع شرائح ويُصدّر إلى العراق. مرو تفوق سائر حواضر خراسان بنظافتها وحسن موقعها، وبديع تنسيق دورها وأحيائها بين القنوات والأشجار، واستقلال أرباب الحرف في أسواقها.
وفي صحراء مرو ينبت الأشترغاز (وهو نبات يُستخرج منه المنّ) فيُصدّر إلى بلدان أخرى؛ كما يُصدّر الحرير، فضلاً عن الحرير الخام بكميات وفيرة. وقد حُدثتُ أن أصل صناعة الحرير في جرجان وطبرستان جُلب قديماً من مرو ولا يزال بَزْر دود القز يُحمل أحياناً إلى طبرستان؛ ويُجنى أجود “قطن مرويّ” وألينه في مرو حيث تُنسج “الثياب المروية” الفاخرة لتُصدّر إلى شتى الأمصار.
وفي (ناحية) مرو منابر (أي جوامع) قديمة وحديثة. وناحية مروبها منابر (أي جوامع جمعة)، قديمة وحديثة؛ اثنان منها في مدينة مرو، ومنبر في كل من كشميهن، وهرمزفرة، وسنج، وجيرنج، (وجيرنج، أو بالأحرى جيرنغ، قرية كبيرة تقع على المرغاب، أعلى مرو الدندانقان، والقرينين، وباشان، وخرق، والسوسقان: هذه هي منابر (ناحية) مرو، التي أعلم بها.