أسطورة شاهي سيندا: كنز روحي من تاريخ سمرقند سمرقند – لا توجد مدينة أخرى في الشرق تضاهيها في الجمال. أفضل ورق في …
سمرقند – لا توجد مدينة في الشرق بأسره تضاهيها بهاءً وجمالاً. في سمرقند يُصنع أجود أنواع الورق في العالم، ومنها ورق فريد غير يدوي يُعرف باسم "جواز"، يُعجن في طمي نهر سياب المعروف أيضاً باسم أوبي رحمت. ومفخرة أخرى من صناعات سمرقند هي الأقمشة القرمزية الفاخرة التي تُصدَّر إلى أصقاع الأرض كافة، إذ يستحيل العثور على مثيل لها في أي بقعة من العالم. وتهدي المدينة للناس أطايب العنب والبطيخ والتفاح والرمان، أما الخوخ الذي ينمو في بساتينها فهو أشبه بسبائك الذهب الخالص. وحلوى الحلاوة الطحينية في سمرقند تبلغ من الجودة ما لا تجدونه حتى في طشقند، وكانت عصائرها ومشروباتها الفاخرة تُزيّن قديماً موائد الملوك والأباطرة الممتدة من بلاد الصين إلى روما.
تزخر هذه المدينة وأطرافها بالعديد من الصروح المعمارية الشامخة والحدائق الغناء التي أنشأهاالأمير تيمور وميرزا أولوغ بيك. ففي قلعة سمرقند الشاهقة، شيّد الأمير تيمور قصراً منيفاً مؤلفاً من أربعة طوابق عُرف باسم "كوك سراي"، وهو بناء يتميز بارتفاعه الاستثنائي المهيب. كما أنشأ بالقرب من البوابة الحديدية مسجداً جامعاً من الرخام الصافي يطلق عليه الجميع اسم "بيبي خانم"، بناه أمهر نحاتي الحجارة الوافدين من الهند. وزُيّنت إحدى بوابات هذا المسجد بآية من القرآن الكريم: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل"، بحروف هائلة الحجم يمكن قراءتها من مسافة ثمانية آلاف خطوة، ويتميز البناء كذلك بعلوّه الشامخ.
وأنشأ الأمير تيمور إلى الشرق من سمرقند روضتين بديعتين: الروضة الدانية "دلكشا"، والأخرى القاصية "باغ بولدي"، التي أمر بغرس ممشى ظليل من أشجار الحور يمتد منها حتى البوابة الفيروزية. وفي حديقة "دلكشا"، أقام قصراً عظيماً زُيّنت جدرانه بلوحات جدارية تجسد إحدى معارك تيمور المظفرة في الهند. وعند سفوح تل كوهك، وفوق مجرى كانيغيل المعروف بـ "أوبي رحمت"، غرس الحاكم نفسه حديقة "نقش جهان"؛ غير أنها كانت قد دُمرت ومُحي اسمها وطواها النسيان حين حللتُ بها. كما غرس جنوب سمرقند على مقربة من المدينة حديقة "باغ جنار"، وفي الأجزاء السفلى من العاصمة حديقتي "باغ شمال" و"باغ بهشت".
ومن أجل حفيد الأمير تيمور وابن جهانكير ميرزا – محمد سلطان ميرزا – شُيّدت مدرسة داخل أسوار المدينة، دُفنت فيها كريمة الأمير وجميع سلالته ممن حكموا سمرقند. ولم يتبقَ من هذه المدرسة سوى سرداب معقود ذي ممرات مطمورة في القبو السفلي. وتبعد هذه الأطلال مسافة خمسين خطوة فقط إلى الجنوب من ضريح الأمير المسمى "كور أمير"، إلا أنها محاطة بالمنازل من سائر جهاتها ولا يعلم بوجودها إلا قلة من الناس.
ومن أعظم آثار ميرزا أولوغ بيك داخل المدينة، مدرسته وخانقاهه التي تتميز بقبة عملاقة يُقال إنه لا نظير لعظمتها في العالم أجمع. وبجوار المدرسة والخانقاه، شيّد حماماً فريداً عُرف بـ "حمام ميرزا"، رُصّعت أرضياته بمختلف الأحجار الكريمة النفيسة، ولم يُسمع بوجود حمامات بمثل هذا البذخ لا في خراسان ولا حتى في بابل العريقة. وإلى الجنوب من المدرسة، بنى مسجداً عُرف بـ "مسجد مقطع"، وسُمي كذلك لأن كافة جدرانه وسقفه كُسيت بقطع من أندر الأخشاب وأثمنها، رُسمت بخط الثلث البديع وزُخرفت بالأسلوب الصيني الأنيق. وحُدد اتجاه القبلة فيه بحسابات فلكية بالغة الدقة. وأخيراً، أقام عند سفوح تل كوهك مرصداً فلكياً ضخماً مؤلفاً من ثلاثة طوابق لإعداد "الزيج السُلطاني الكوركاني"، وهي الجداول الفلكية الأكثر استخداماً في العالم آنذاك.
وعند المنحدر الغربي لتل كوهك، أنشأ ميرزا أولوغ بيك متنزهاً فسيحاً عُرف باسم "باغ ميدان"، وشيّد في وسطه صرحاً من طابقين يُدعى "جهل ستون" (الأربعون عموداً). وصُنعت جميع أعمدة هذا الصرح من الحجر المنحوت، بينما ترتفع عند زواياه الأربع أبراج تحوي ممرات داخلية تشبه المآذن تقود إلى الأعلى. أما الطابق العلوي فهو عبارة عن قاعة مكشوفة تحيط بها شرفة بانورامية ساحرة.
وفي عهد السلطان أحمد ميرزا، أقبل النبلاء على إنشاء الحدائق البديعة، وكان بستان الدرويش محمد طرخان فريداً لا يضاهيه شيء في نقاء هوائه وبهجة تصاميمه الداخلية وسعته. ويقع هذا المتنزه أسفل حديقة باغ ميدان، وتنتظم أرضه على هيئة مدرجات تزدان بأشجار الدردار الباسقة والسرو والحور.
وإلى الجنوب من هذه الرياض الأسطورية، يقع المكان الأكثر قدسية وإجلالاً لأرواح الراحلين. وتُعرف هذه الجنة الأرضية المخصصة لأرواح الموتى باسم "شاه زنده"، أي "الملك الحي".
وكان للعباس، عم رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)، أبناء من زوجة واحدة: الفضل الذي يقع ضريحه في اليرموك بأرض الشام؛ وعبد الله الذي وُري الثرى في المدينة المنورة حيث اختار النبي الكريم جوار ربه؛ وقثم الذي نال شرف المشاركة في غسل الجسد الشريف لرسول الله.
ومن بين سائر أبناء العباس، كان قثم أشبههم خلقاً وخُلقاً بنبي الأمة الإسلامية. وفي عهد الخليفة علي بن أبي طالب، عُيّن قثم حاكماً على مدينة مبارك في الجزيرة العربية. وفي الخلافة اللاحقة، انطلق بأمر من الخليفة معاوية إلى بلادما وراء النهر، ملتحقاً بالقائد سعيد بن الخليفة عثمان، الذي تولى إمرة خراسان خلفاً لعبيد الله بن زياد.
ودخلت سمرقند في حوزة الفاتحين المسلمين واعتنق أهلها دين الإسلام. واستقر قثم في سمرقند على رأس سرية صغيرة من الجنود العرب لترسيخ أركان العدل وتثبيت دعائم الإيمان بين أفراد الشعب المفتوح.
واعتزل في غار يقع على مقربة من سمرقند، في البقعة ذاتها التي يشهد فيها اليوم مزار ضريحه، وانبرى بهمة متقدة ينشر حقائق الدين الحنيف بين الأقوام. وبفضل مواعظ قثم وصدق بيانه، أقبل أهل سمرقند على اعتناق الإسلام، وتحول غاره إلى مقصد ومنتدى روحي يقصده الناس لالتماس المعارف الإلهية.
ولقد لاقت دعوة قثم بن العباس نجاحاً باهراً حتى بات من المستحيل في وقت وجيز العثور على مشرك واحد في عموم بلادما وراء النهر. وأثار هذا القبول الواسع ذعر أعداء الدين، حتى تجرؤوا في إحدى الليالي على شن غارة غادرة على سمرقند. وتحت جنح الظلام الدامس، عبر الكفار نهر كوهك وطوقوا قثم وجمعاً من الصالحين قرب بوابة أهانين، بينما كانوا يؤدون الصلاة في موضع يُدعى بنو نجية.
ونشبت معركة طاحنة؛ إذ انقض الغزاة كطوفان بحري عاصف على القلة القليلة من المؤمنين الأبرار. واستمرت الملحمة طوال ساعات الليل حتى تباشير الفجر. وكان سيف قثم يحصد صفوف العدو كالصاعقة الخاطفة، وفجأة أُصيب القديس قثم بسهم مسموم أُطلق من قوس غادر. وسقط سراج الإسلام شهيداً على الثرى. فأحاط المؤمنون بجثمان معلمهم وظلوا يذودون عنه باستماتة حتى النهاية، حتى هبط سيدنا جبريل عليه السلام وحمل أرواحهم الطاهرة على جناحيه صاعداً بها إلى جوار النبي الكريم في جنات النعيم.
وابتهج الأعداء بظفرهم وأحاطوا بجسد قثم بن العباس، فقطعوا رأسه بغية استعراضه أمام الملأ لإثبات فناء المسلمين. ولكن حدثت المعجزة؛ إذ نهض قثم فجأة وانتزع رأسه من بين أيدي الأعداء، واحتضنه بذراعه اليمنى بينما أخذ يلوّح بسوطه بيده اليسرى متوجهاً صوب الغار. ومع كل ضربة من سوطه، كان يسقط مئة من الأعداء صرعى. ودخل غاره الذي يحوي بئراً عميقة، وتوارى عن الأنظار إلى الأبد. وحين هرع الكفار خلفه، وجدوا مدخل الغار والبئر قد سُدا بأحجار وصخور عظيمة.
وفي اللحظة الأخيرة قبل أن يتوارى في الغار، غرس قثم عصاه عند المدخل، فانبثقت منها شجرة أسطورية ظلت خضراء يانعة إلى يومنا هذا دون أن يسقيها ماء. ويمكنكم مشاهدتها في نهاية الرواق المفتوح بالجهة الشرقية من مجمع مقابر شاه زنده. ويقصد زوار هذا المقام الشريف هذه الدوحة المباركة التي تُعرف بـ "درخت كمجين" (شجرة السوط). وتذهب المعتقدات إلى أن لهذه الشجرة بركات استثنائية؛ فإذا ما تناولت امرأة عاقر حبة واحدة من ثمارها، رُزقت بمشيئة الله بمولود من الجنس الذي تتمنى. ويقوم شيوخ المزار بجمع هذه الثمرات المباركة لإهدائها للنساء الراغبات في الإنجاب ونيل بركة الذرية.
في أحد الأيام، عاد أمير تيمور إلى عاصمته سمرقند بعد حملة عسكرية طويلة ومظفرة. لقد كانت الحملة حدثاً مباركاً وميموناً؛ إذ فتح أراضي شاسعة وحمل معه إلى العاصمة غنائم وأموالاً لا حصر لها. ورغم ابتهاج الحاكم بهذا النصر العظيم وسروره البالغ، إلا أنه وقبل أن يشرع في الاحتفال بانتصاراته، وقبل أن يستسلم للراحة بعد وعثاء السفر ومشقة الحرب، عزم على أداء «الزيارة» والتبرك بأضرحة الأولياء والصالحين الذين تحتضن سمرقند الكثير منهم.
وبرفقة موكب مهيب يضم أبناءه وحاشيته ونخبة من أقاربه، وسط بهاء ملكي وأبهة لا مثيل لها، طاف بالمزارات المقدسة، وكان يترجل عن فرسه عند كل مزار خاشعاً ومصلياً. وأخيراً، بلغ أمير تيمور تلك البئر (المغارة) التي توارى فيها قثم بن عباس يوماً ما عن أعين المشركين. وهنا ساورت تيمور الشكوك: هل حقاً ما يزال «شاه زنده» (الملك الحي)، العظيم والمبجل عند سائر الأولياء، على قيد الحياة؟ فالتفت إلى خاصته وقال:
—لقد قرأتُ في كتب التاريخ والجميع يعلم أن شاه زنده قد اختبأ في بئر حين لاحقه متمردو سمرقند الذين ارتدوا عن الإسلام، وأنه لا يزال حياً يقيم في قعر هذه المغارة. وأنا أريد أن أستيقن من هذا الأمر: أهو حقاً على قيد الحياة، أم أنه قد قضى نحبه؟
فأجاب الخدم والمستشارون:
—يا مولانا المعظم، لا يعلم الغيب إلا الله. ومن المستحيل الجزم بما إذا كان شاه زنده حياً في زماننا هذا أم ميتاً دون معاينة ذلك بالعين المجردة.
ثم استطرد أحد النبلاء قائلاً:
—مولاي العظيم، لقد قرأتُ في أحد الكتب أن شاه زنده سيمكث عابداً مصلياً في هذه البئر حتى ينزل نبي الله عيسى عليه السلام إلى الأرض من جديد؛ وحينئذٍ فقط سيخرج قثم بن عباس من البئر ويتجلى للناس.
غير أن تلك الكلمات لم تبدد حيرة تيمور، وباتت رغبة استكشاف هذا السر الدفين تؤرقه وتملك عليه لبه.
ولم يكن أمير تيمور ليهنأ له بال أو يتراجع أمام أمر قط. فدعا في الحال حرسه ورجاله ليبحث عن فدائي يجرؤ على النزول إلى أعماق البئر، واعداً بفيض من الثراء والتشريفات الرفيعة لمن يأتيه بنبأ يقين عن شاه زنده. ورغم بريق الوعود، لم يجرؤ أحد على التقدم؛ فقد خامر الجميع خوف شديد من إغضاب الولي الصالح، وظن كثيرون أن تنيناً ينفث النيران يحرس مدخل البئر.
استبد الحزن بأمير تيمور، فأمر بالنداء في جيشه قائلاً: «أيها الفرسان الشجعان! أما فيكم بطل مقدام ينزل إلى بئر شاه زنده ليأتينا بالخبر اليقين: أحيٌّ هو أم ميت؟ وسينال هذا البطل جزاءً لا يُحدّ من وافر الثراء وعظيم الشرف».
ومن بين صفوف المقاتلين، انبرى فارس يُدعى «هيدا» متطوعاً لتلبية دعوة أمير تيمور. كان مقاتلاً مغواراً لا يعرف الخوف وبطشاً لا يُشق له غبار، وقد أسرته وعود المجد والثراء. فمثل بين يدي الحاكم معلناً استعداده لإنفاذ رغبة مولاه والنزول إلى غياهب البئر. فتهلل وجه أمير تيمور سروراً وقال له:
—يا هيدا، إن هذا الأمر الجلل لا ينهض به إلا بطل مثلك! أسأل الله لك عودة عاجلة وسالمة، ليبرأ قلبي من داء الريبة والشك.
عقد هيدا طرف الحبل حول خصره، بينما أمسك فرسان تيمور بالطرف الآخر، وشرعوا في إنزال ذلك المغوار إلى ظلمات البئر. مضى وقت طويل ورُبطت حبال أخرى، وهيدا يواصل هبوطه نحو القاع، حتى لامست قدماه الأرض أخيراً. تلفت حوله فلم يرَ شيئاً؛ سوى ظلام دامس يلف المكان. وكان هيدا رجلاً ثاقب البصيرة، خبيراً بأحوال الدنيا وذا حنكة؛ فجلس في قاع البئر، وأغمض عينيه بشدة وضغط عليهما براحتيه. مكث على تلك الهيئة هنيهة، ثم فتح عينيه فجأة؛ فإذا بجوف البئر يسطع بنور وضاح كما لو كان في وضح نهار مشرق.
نظر هيدا من حوله فرأى مدخل مغارة في أحد جوانب البئر. فدلف إليها بشجاعة، وبعد أن قطع مسافة توازي رمية سهم، تراءى له قصر باذخ يشبه خزائن الملك فريدون الأسطورية. كان القصر مرصعاً من داخله وخارجه بالجواهر والنفائس التي تلألأت كشمس الصيف، ناثرةً أشعة من النور المتعدد الألوان في كل حدب وصوب. وأحيطت به «صفة» من جوانبه الأربعة طُليت واجهتها بالذهب الخالص المذاب، وعلى كل جانب منها عرش تحلّيه الدرر النفيسة. ذُهل هيدا من فرط هذا الجمال الساحر الذي لا نظير له؛ وهو الذي طاف الأرض مع أمير تيمور وشهد العجائب والغرائب، لكنه لم يكن ليحلم يوماً بمثل هذا البهاء.
ورغم طول انتظاره وترقبه في سائر الأرجاء، لم يظهر أحد ولم يُسمع لأحد ركز. ولج هيدا إلى داخل القصر، فلم يجد فيه أحداً أيضاً. ظل يطوف في أروقته حتى فتح باباً قاده إلى روضة غناء مترامية الأطراف، لم تشهد عين في الدنيا نظيراً لحسنها. كانت في تلك الحديقة كروم عنب فسيحة تضم سائر أصناف الأعناب، وأشجار وثمار وأشجار زينة وشجيرات من شتى الأحجام والأنواع، وأحواض زهور بديعة تتفتح بأروع الأزهار حسناً وعبقاً، ومروج ناعمة العشب بألوان زاهية وإطلالات تسحر الألباب. وتدفقت عبرها جداول رقراقة بمياه العيون العذبة، تفرعت منها سواقٍ وقنوات. كانت المياه تترقرق منسابة في كل زاوية، لتملأ أحواضاً وبركاً ترتاح في ظلال أشجار الدردار الباسقة التي تبعث البرودة والانتعاش. وكانت قيعان الجداول وشواطئ البرك مكسوة، بدلاً من الحصى والرمل، بفرائد المرجان والزمرد والياقوت والدر النفيس. وتدلت الثمار الناضجة من كل غصن، بينما ملأت الحديقة أسراب من الطيور البديعة ذات الريش المتلألئ كالجواهر والأصوات العذبة الشجية، تتنقل بين الأشجار زرافات ووحداناً، وهي تصدح دون انقطاع بحمد الله وتسبيحه.
هام هيدا في أرجاء تلك الروضة البديعة طويلاً حتى ذهل تماماً عن الغاية التي نزل من أجلها. وكان منظر الثمار المتدلية شهياً لدرجة أنه لم يتمالك نفسه ورغب في تذوقها. وما إن مد يده نحو الغصن، حتى صك مسمعه صوت مروّع كقصف الرعد:
—ويحك يا مجنون! إن تجرأتَ على أخذ شيء من هنا، قطعتُ حبل حياتك، وفلقتُ هامتك بهذه العصا!
ارتعدت فرائص هيدا وسقطت يده من فرط الفزع. التفت صوب الصوت، فرأى شيخاً مهيباً ذا قامة خارقة وفي يده عصا عملاقة. همّ هيدا في البداية بسؤاله، لكن رؤية هذا العملاق سلبته شجاعته، فولى الأدبار هارباً برعب شديد. ظل يركض زمناً حتى انتهى إلى أطراف الحديقة؛ فإذا بمرج أخضر فسيح يمتد أمام ناظريه بلا نهاية. وكان يرعى في ذلك المرج ألف ومائتا حصان، مسرجة جميعها بسروج من الذهب المرصع بالجواهر ولجم بديعة، دون أن يُرى لها أي سائس.
وعلى مقربة من ذلك المرج، رأى هيدا قصراً آخر ذا شرفة عالية يشبه القصر الأول. وحين اقترب، شاهد حشداً من آلاف الرجال أمام القصر، بعضهم يرتدي ثياباً بيضاء وآخرون بثياب خضراء. ولكيلا يداخلكم الشك في دقة هذا الإحصاء للخيول والرجال، فاعلموا أن هيدا كان يمتلك موهبة فذة في تقدير الجموع والجيوش بمجرد نظرة عين عابرة؛ ولهذه المزية كان أمير تيمور يرسله دوماً قبل المعارك لاستطلاع حشود العدو، فيصعد رابية تشرف على جيش الخصم ثم يعود للملك بتقدير دقيق لا يخطئ أبداً.
وبينما كان هيدا يتأمل القصر والخيول وهؤلاء الرجال، استشعر حركة واضطراباً بينهم؛ إذ بدأ أصحاب الثياب البيضاء والخضراء يتناجون فيما بينهم قائلين:
—يبدو أن غريباً قد وطئت قدماه المرج! أهناك غريب بات قريباً منا جداً؟
وفي تلك اللحظة بالذات، أبصر هيدا شيخاً وقوراً يجلس على شرفة القصر يرتدي حلة بيضاء وضاءة كالنور، وعن يمينه وشماله شيخان جليلان يرتديان أيضاً ثياباً بيضاء ناصعة، وكان الثلاثة يتجاذبون أطراف الحديث. استجمع هيدا شجاعته وتقدم بكل إجلال وأدب نحو الواقفين حول القصر وبادرهم قائلاً:
فلما ردوا عليه تحية الإسلام بأحسن منها، توجه إلى أحدهم بهذا السؤال:
فأجابه قائلاً:
في تلك الأثناء، استمر اضطراب الأرواح بسبب وجود دخيل بينها. لاحظ شاه زنده ذلك وأراد معرفة سبب قلقها، فأجابت الأرواح:
استشاط شاه زنده غضباً وأمر على الفور بإحضار هذا الرجل. وقبل أن يدرك هيدا ما يجري، وجد نفسه واقفاً أمام العرش. وضع يديه على بطنه، اليمنى فوق اليسرى، وانحنى بجسده مقدماً التحية قائلاً:
رمق شاه زنده هيدا بنظرة ملؤها الغضب. كان هيدا رجلاً شجاعاً لا يهاب شيئاً، إلا أن ملامحه تبدلت تماماً تحت وطأة تلك النظرة؛ فارتعد كورقة شجر في مهب الريح وسقط على ركبتيه. أطرق شاه زنده برأسه متأملاً، بينما انطرح هيدا أرضاً يرتجف خوفاً على حياته، كأنه بين الحياة والموت. وأخيراً، رفع الشيخ رأسه وخاطبه بهذه الكلمات:
شرع هيدا يتوسل ويعتذر في ذعر شديد:
عندئذ قال شاه زنده:
لما سمع هيدا هذه الكلمات من شاه زنده، أجهش بالبكاء المرير، وتعالت أناته وعويله حتى كادت تهتز جدران القصر:
نهض هيدا عن ركبتيه، ومضى ينسحب من القصر منحني الظهر، خافضاً رأسه بيدين معقودتين على بطنه، متمتماً بعبارات الشكر والامتنان. ثم انطلق يعدو بسرعة خاطفة دون أن يشعر بأطرافه، عابراً المرج والبستان وباحات القصر، حتى بلغ الغار ووجد نفسه في قاع البئر. ربط على عجل الطرف المهترئ من الحبل، وأخذ يجذبه بقوة وسرعة ليعطي إشارة لرفاقه بانتشاله. وفي فوهة البئر كان الرجال يترقبون الإشارة بلهفة.
سحب الرجال هيدا إلى الأعلى، ولفرط هول ما حل به، لم يتعرفوا في الحال على ذلك الكهل الشاحب، أشعث الشعر ذي اللحية البيضاء. وعلى الفور اقتادوه إلى الأمير تيمور الذي كان يترقب أخبار شاه زنده بقلق بالغ. سقط هيدا عند أقدام الملك وقبل التراب. فأدرك الملك من ملامح وجهه المروعة أن أمراً جللاً قد حدث له، وقال له:
استشاط الأمير تيمور غضباً من جوابه، وأخذ يصرخ في وجه هيدا بصوت كالرعد:
عندئذ أشار الأمير تيمور لخدمه باستدعاء الجلادين. وفي لمح البصر حضروا، وخروا ساجدين أمام عرش الملك، معلنين طاعتهم المطلقة لتنفيذ أي أمر يصدره. أمر تيمور في ثورة غضبه بضرب عنق هيدا في الحال. فتقدم أحد الجلادين، وقبض على مقبض سيفه، وجرده ببريق خاطف من غمده، وثنى عنق هيدا ثم رفع نصله عالياً ليهوي به في ضربة قاصمة تفصل الروح عن الجسد. وحينها فقط، أدرك هيدا كم هي عزيزة وحلوة هذه الحياة:
فتوقف الجلاد في مكانه.
لكن تيمور أجابه قائلاً:
لم يجد حيدا بدًا من قبول عرض تيمور. وعندما عاد إلى بيته، أخذ يفكر مليًا في البقعة الأكثر نفعًا وبركة ليختارها لرحلته المرتقبة. ومن بين سائر أراضي تيمور الشاسعة، كانت سمرقند أحبها إلى قلبه. وعندما بلغ ولاية سمرقند، غرق في هواجسه: «الماء شحيح في ضباب أنغورا، لأن قناة درغوم تفتك بسد زرافشان مرارًا، فلا يتوفر الماء في وقته، ولا عجب في المثل القائل: "إن أردت راحة البال، فلا تسلك درغوم". في مثل هذه الأرض ستشقى ذريتي. أما أرض صغد فخصبة، لكن نهر زرافشان يفيض حينًا بعد حين، فيصعب التنقل، كما أن المنطقة مشهورة بوحلها الكثيف، والسير فيها عذاب لا يطاق».
وأخيرًا استقر رأيه على أن أراضي شودور هي الأفضل والأنسب على الإطلاق: فهي دانية من المدينة، وأرضها جافة منبسطة، ومحاصيلها وفيرة، ومياهها لا تنضب أبدًا.
لم يكن المؤذن قد رفع بعد أذان الفجر (بام-دود)، حتى كان حيدا قد أسرج فرسه عند ربوة آق-تپه، حيث عزم على بدء طوافه. وكان يمتلك جواد سباق لا يُبارى، طالما حصد النصر في حلبات الكوبكاري والپويغا. وما إن أشرقت الشمس من وراء جبال بنجكنت، حتى انطلق حيدا كالصقر نحو جبال قره-توبه مفسحًا نطاق دائرته. كان جواده يخب بخفة ورشاقة، واثبًا فوق قنوات الري والحفر، تارة يثب خارجًا من الخانق وتارة يتوارى في بطن الوادي. والريح تعصف في أذنيه متبخترة بردائه الحريري، بينما حيدا لا ينفك يرمق الشمس بنظراته. ويا للعجب! خُيّل إليه أن الشمس تسابق الزمن في شروقها، بينما فرسه لا يعدو بالسرعة المرجوة. فتسرب الجزع والغيظ إلى قلبه؛ وراح يجلد الفرس بكل ما أوتي من قوة، ضاربًا بطنها بركلاته المتتابعة.
وما كاد ينتصف النهار حتى شارف حيدا على قره-تپه بعد أن طوى مساحات شاسعة من الأرض. لكن فرسه بدأت تقفز قفزات متقطعة متخاذلة كحباري يعلو المرتفع، ثم ترنحت متمايلة من جانب إلى آخر، وقد علاها الزبد وثقل تنفسها... لقد أفرط حيدا في الاتكال على طاقة جواده، وأعماه جشعه الجامح. أطبق الطمع على بصيرته وأظلم عقله. وصل حيدا إلى أغاليك وحوّل عنان فرسه صوب تشونغول، وكان ذلك قرابة وقت صلاة العصر. ولم يعد الفرس المنهك قادرًا على تحريك قوائمه، ولم تجدِ سياط العذاب في حثه على العدو. وأخيرًا ترنح الجواد، ولم تقوَ قوائمه على حمله، فهوى صريعًا إلى الأرض عاجزًا عن النهوض.
نظر حيدا إلى قرص الشمس، فرآها قد صبغت الأفق بحمرة نارية ولم يعد التحديق فيها مؤلمًا. فترك حصانه وانطلق يعدو على قدميه. ركض وركض، مجتازًا جسر تشور-مينار فوق درغوم، وأخذ يلهث من فرط الإعياء فتحول من الركض إلى المشي الحثيث. ألقى عنه رداءه وقميصه، وكانت خفافه قد تلاشت منذ زمن. وهو يلهث بأنفاس متقطعة، رمق الشمس مرة أخرى، وكانت تؤذن بالمغيب...
ومن حيث لا يعلم، انبعثت فيه دفعة عارمة، فاستأنف العدو حتى سقط مغشيًا عليه. غير أن الجشع لم يفارقه قط: وهو يهوي إلى الأرض، لوّح بكل ما تبقّى في يده من عزم بسوط كان يمسكه، ورماه إلى أبعد مدى ليقتنص رقعة إضافية من الأرض. وفي الموضع الذي استقر فيه السوط، أُسست قرية كامتشينون، واستمدت اسمها من كلمة "كامتشين" (أي السوط).
ثم مَثُل حيدا أمام الأمير تيمور، فأمره أن يقص عليه الخبر فورًا. فروى حيدا بتفصيل بديع كل ما رأى وسمع، دون أن يبتدع شيئًا من عنده أو يكتم أمرًا. وما إن أتم روايته، حتى انحدرت من عينيه دمعتان سوداوان عظيمتان، وفقد بصره في التو واللحظة. فاستولت الدهشة على الحاضرين من هول هذه المعجزة.
ومنذ ذلك الحين، بات أبناء حيدا يُولدون عميانًا، وهو أمر ذائع مشهور في سمرقند. وقد برّ الأمير تيمور بوعده: فشيّد في سمرقند مدرسة ما زال يعيش في كنفها رجال مكفوفون حتى يومنا هذا، جلّهم من سلالة حيدا. أما بستان حيدا فلم يبقَ له أثر اليوم، وتلاشت معظم الأوقاف التي رصدها تيمور لأعقابه، إذ شهدت سمرقند من بعده غزوات مريرة، وتعاقبت عليها أجيال شتى، واندلعت فيها فتن واضطرابات عديدة.
وهكذا حلت العقوبة التي أُنذر بها الأمير تيمور. لقد فتح بلاد الدنيا بأسره، ولم يبقَ سوى ملك الصين عصيًا عليه، فعقد العزم على غزوها. وتملك الكبرياء فؤاد الأمير تيمور العظيم، فتناسى نبوءة شاه زنده.
حشد الأمير تيمور جيشًا عرمرمًا، لا يُعد ولا يُحصى، يغيب أوله عن آخره. ولم يكن أحد يماري في نصره المؤزر. وزحفت الجحافل، فما الذي عساه أن يقف في وجهه أو يصد سبيله؟ وهل في طاقة أحد أن يعترض عاصفة هوجاء أو يحبس فيضان مياه نهر سيحون؟
واستصحب الأمير تيمور في تلك الحملة الكبرى جميع أبنائه وأحفاده من الأمراء الميامين؛ لكي يُخلّد هذا النصر أسماءهم على مر العصور. فارتعد إمبراطور الصين فزعًا حين تناهى إليه أن تيمور الذي لا يُقهر يزحف نحوه. وقرر تسليم مملكته بأسرها دون قتال حقنًا للدماء، وبعث إليه بوفود تحمل أثمن الهدايا وأفخرها.
ولكن في تلك اللحظة بالذات، وافت المنية الأمير تيمور على حين غرة. فحتى أعظم الفاتحين والملوك يقفون عاجزين أمام الموت وقضاء الله وقدره! تفرقت جيوش تيمور وتلاشت ذريته في غياهب النسيان، بينما ظل الناس يقصدون روضة الولي الصالح شاه زنده للتبرك والزيارة، وما زالوا يتوافدون عليها حتى يومنا هذا...